تاريخ ومزارات

سر الكحل الفرعوني من زينة الجمال إلى سلاح ضد العين الشريرة

 

كتبت شيماء طه

 

يُعد الكحل الفرعوني أحد أهم أسرار الجمال في مصر القديمة، حيث لم يكن مجرد زينة للعيون، بل رمزًا للحماية والطهارة والقوة الروحية، ترك المصريون القدماء إرثًا غنيًا من مستحضرات التجميل الفرعونية، وكان الكحل في مقدمتها، إذ جمع بين الجمال والعلاج والطقوس السحرية التي تهدف إلى درء العين الشريرة.

 

منذ آلاف السنين، كان كحل الفراعنة يُحضّر من معادن طبيعية تُطحن بدقة مثل الغالينا (كبريتيد الرصاص) والأنتيمون، ويُخلط بالدهون أو الزيوت النباتية ليصبح سهل الاستخدام. وقد وُجدت أوعية الكحل المصنوعة من الحجر أو العاج داخل مقابر الملوك والملكات، ما يؤكد مكانته في الحياة اليومية والطقوس الجنائزية على حد سواء.

 

لم يكن الكحل مقتصرًا على النساء فقط، بل استخدمه الرجال والكهنة والمحاربون أيضًا. فقد كان المصري القديم يرى أن تكحيل العين يحميه من الأمراض ومن وهج الشمس القوية، كما يُسهم في الحفاظ على صفاء البصر.

 

وتشير البرديات الطبية الفرعونية إلى وصفات تحتوي على الكحل كعلاج لالتهابات العين، وهو ما أثبتته الدراسات الحديثة، إذ تبيّن أن بعض مركباته كانت تساعد على تنشيط المناعة الطبيعية للعين ومقاومة البكتيريا.

 

أما على المستوى الروحي، فقد ارتبط سر الكحل الفرعوني بعقيدة المصريين في الحماية من العين الشريرة والأرواح الخبيثة. وكانوا يعتقدون أن تكحيل العين يجسد “عين حورس”، الرمز المقدس الذي يجلب الحماية والنور ويدفع الحسد والشر، لذلك، كان الأطفال والنساء يُكحّلون منذ الصغر، اعتقادًا بأنه درع يصد الطاقة السلبية ويجلب البركة.

 

كما كان للكحل بعد جمالي واضح، حيث استخدمته الملكات مثل الملكة نفرتيتي وكليوباترا لإبراز جمال العينين، مما جعل الكحل رمزًا للأناقة والأنوثة في الحضارة الفرعونية، حتى في النقوش والمعابد، نجد العيون المرسومة بالكحل الغامق علامة على الجمال والهيبة والقداسة.

ورغم مرور آلاف السنين، ما زال الكحل الفرعوني حاضرًا في الثقافة الشعبية المصرية والعربية، فقد انتقلت طقوسه إلى الأجيال اللاحقة، ليظل رمزًا للزينة والحماية في آن واحد. ومع ذلك، ينبغي الحذر من بعض الأنواع التقليدية التي تحتوي على الرصاص، لما قد تسببه من أضرار صحية عند الاستخدام المتكرر.

 

إن سر الكحل الفرعوني لا يكمن فقط في مكوناته أو لونه الأسود المميز، بل في فلسفة المصري القديم الذي جمع بين الجمال والروحانية والعلم في آن واحد. لقد كان الكحل بالنسبة له أكثر من مجرد تجميل للعين، بل لغة مقدسة تتحدث عن النور الداخلي والاتصال بالقوة الإلهية، وحماية من كل ما هو خفي وغير مرئي.

 

وهكذا، يبقى الكحل أحد أهم رموز حضارة مصر القديمة، شاهدًا على عبقرية الإنسان المصري في تحويل أدوات الزينة إلى رموز للحماية والإيمان، ومصدر إلهام عالمي في تاريخ مستحضرات التجميل القديمة التي ما زالت تُدهش العالم حتى اليوم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى