عادات و تقاليد

الندّابة صوت الحزن في الموروث الشعبي المصري

 

 

كتبت شيماء طه

 

في زوايا القرى القديمة، وبين جدران الطين وساحات البيوت الهادئة، كان هناك صوتٌ نسائي لا يُنسى صوتٌ يملأ المكان وجعًا وهيبة. إنها الندّابة، إحدى أكثر الشخصيات غموضًا وتأثيرًا في الموروث الشعبي المصري. امرأة لا تُغني للفرح، بل تُغني للرحيل، تحمل في صوتها ذاكرة القرية كلها، وتحوّل الحزن إلى طقس مقدس.

 

منذ مئات السنين، كانت الندّابة المصرية جزءًا أساسيًا من طقوس الجنازة، خصوصًا في صعيد مصر والدلتا. كانت تستدعى في اللحظة الأولى للفقد، تدخل الدار بثوبٍ أسود طويل، وتبدأ بصوتٍ عالٍ مملوء بالعاطفة، تنادي على الميت باسمه وتعدّد مآثره، كأنها تكتب سيرته بكلمات تُغسل بالدموع. كانت دموعها “لغة” يفهمها الجميع، وصوتها يلمس القلوب مهما كانت المسافات بين الموتى والأحياء

لم تكن الندّابة مجرد امرأة تبكي، بل كانت شاعرة بالفطرة، تحفظ أبياتًا من الرثاء وتؤلف غيرها من قلب اللحظة. تقول مثلاً:

 

“وا سندي يا ضهري يا اللي كنت لي ستر،

راح الحنين وراح العمر بعدك يا بدر.”

 

 

 

بهذه الكلمات كانت تفتح جرحًا يخص الجميع، لا بيتًا واحدًا فقط. فصوتها لم يكن صدى حزن فردي، بل وجع جماعي، يعيد للناس معنى الفقد وكرامة الوداع.

 

في التراث المصري، كانت الندّابة تؤدي وظيفة اجتماعية ونفسية عميقة. فهي تُعبّر بصوتٍ عالٍ عما يعجز الآخرون عن قوله. كانت تُساعد أهل الميت على البكاء، على التنفيس عن الألم بدل كتمانه. لذلك كانت تُعتبر “رسولة الحزن” التي تُعيد التوازن إلى القرية بعد الفاجعة.

 

 

وكانت الندّابة غالبًا امرأة كبيرة في السن، تمتلك صوتًا قويًا وحضورًا مؤثرًا، تعرف كيف تُخاطب الوجدان، وتُشعل الذاكرة، وتُهدئ النفوس في الوقت نفسه.

 

في بعض القرى، كان الناس يعتقدون أن بكاء الندّابة يجلب الرحمة للميت ويُخفف حزنه في العالم الآخر. لذلك كانت تحظى باحترامٍ خاص، رغم غرابة مهمتها. وبعض الندّابات كنّ يُدرن مهنةً حقيقية، ينتقلن من قريةٍ إلى أخرى في المناسبات الحزينة، يحملن معهن دفاتر من القصائد والمواويل الخاصة بكل بيت.

 

ومع مرور الزمن، بدأت مهنة الندّابة تختفي شيئًا فشيئًا مع تغيّر العادات ودخول مظاهر الحداثة، لكن أثرها لم يختفِ من الذاكرة. بقي صوتها في الأغاني الشعبية والمواويل الصعيدية، وبقيت صورتها في الدراما المصرية رمزًا للصدق والعاطفة.

 

اليوم، حين نسمع مواويل الحزن أو نقرأ أبيات الرثاء في الشعر الشعبي، نُدرك أن روح الندّابة ما زالت هنا في كل صوتٍ ينوح من القلب، في كل كلمةٍ تقول: “الفقد لا يُنسى.”

 

فالندّابة ليست مجرد امرأة من الماضي، بل رمز للإنسان المصري الذي لا يخجل من التعبير عن مشاعره، ويحوّل الحزن إلى فنٍ وصوتٍ خالد ، إنها الشاهد الصامت على أن في مصر، حتى الحزن له تراث، وله نغمة لا تشبه أحدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى