مرأه بدوية

الحناء الأولى سحر الجمال في التراث العربي القديم

 

 

كتبت شيماء طه

 

منذ آلاف السنين، كانت الحناء أكثر من مجرد زينة للنساء، كانت طقسًا مقدسًا واحتفالًا بالحياة. في التراث العربي القديم، وخصوصًا في فلسطين ومصر واليمن، لم تكن الحناء لونًا يزيّن اليدين فقط، بل كانت لغة رمزية تُعبّر عن الفرح، والحماية، والأنوثة، والانتماء.

 

تبدأ حكايتها من الأرض، من أوراقٍ خضراء تُجفف وتُطحن لتتحوّل إلى مسحوقٍ يختزن في داخله دفء الشمس. كانت النساء في القرى يجتمعن قبل المناسبات الكبرى ليعجن الحناء بالماء أو بماء الورد، وسط ضحكاتٍ وأحاديثٍ تملأ الليل حنينًا وبهجة.

كانوا يطلقون على هذه الليلة اسم “ليلة الحناء”، وهي من أجمل الطقوس في التراث الشعبي، تُقام قبل العرس بيومٍ واحد، تُغنّى فيها الأغاني القديمة، وتُرسم النقوش الدقيقة على الكفوف والأقدام، كأنها رسائل حبٍ تُرسلها العروس للعمر الجديد.

 

في فلسطين القديمة، كانت الحناء رمزًا للبركة، تُستخدم ليس فقط في الأعراس، بل أيضًا في المناسبات الدينية والميلاد والختان. وكانت الجدّات يؤمنَّ أن الحناء “تطرد الحسد” وتجلب الخير، ولذلك كانت تُوضع على جبين الطفل حديث الولادة وعلى أبواب البيوت في الأعياد.

أما في مصر القديمة، فقد كانت الحناء تُستخدم في طقوس الجمال والتحنيط معًا. اكتُشفت نقوش فرعونية تُظهر النساء وهنّ يضعن الحناء على أيديهن وأقدامهن، في إشارة إلى مكانتها الجمالية والروحية، إذ كان المصري القديم يرى فيها رمزًا للتجدد والطهارة.

 

تنوّعت الرسومات والنقوش من منطقة إلى أخرى؛ فبينما فضّلت نساء فلسطين الأشكال النباتية كالزيتون والعنب، لجأت نساء مصر إلى الزخارف الهندسية والرموز الشمسية ، وفي البادية، كانت النقوش أبسط لكنها أكثر صدقًا، تعكس طبيعة المرأة التي عاشت على صفاء الرمل وضوء القمر.

 

كما كانت أيضًا رمزًا للعهد والحماية، إذ كانت العروس لا تغسلها إلا بعد الزواج كدليل على الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى. ويُقال في الموروث الشعبي: “الحناء فرحة البنت وسترها”، لأنها ترتبط بالفرح والنقاء. حتى الرجال في بعض القرى القديمة كانوا يضعون القليل منها على أيديهم في الأعياد، تعبيرًا عن السرور والاحتفال بالحياة.

 

اليوم، ما زالت الحناء جزءًا من الهوية العربية، رغم الحداثة وتغيّر الأجيال. فما زالت الفتيات يرثن طقوسها من الجدّات، يخلطنها بحكايات الحب والأمنيات ، إنها ليست مجرد لونٍ على الجلد، بل ذاكرة حية تربط الحاضر بالماضي، وتُعيدنا إلى زمنٍ كان فيه الجمال بسيطًا، والفرح يبدأ من يدٍ ملونة بالعشق والتراث.

 

وتبقى الحناء العربية عنوانًا للأصالة، وسحرًا لا يغيب عن تفاصيل المرأة العربية، من فلسطين إلى مصر إلى كل ركنٍ في الصحراء ، إنها الزهرة التي لا تذبل، مهما مرّ الزمن وتبدّلت الموضات، لأنها تحمل في لونها سرّ الأرض وروح الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى