المعتمد بن عباد.. زعيم قبلي وشاعر ملك الأندلس

أسماء صبحي– التاريخ الأندلسي الحافل بالشخصيات القوية والقيادات القبلية يبرز اسم المعتمد بن عباد كأحد أهم الزعماء الذين جمعوا بين الزعامة القبلية والسياسية، وبين السيف والقلم. فقد كان أميرًا على إشبيلية خلال عصر ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر.ينحدر من أسرة عربية من بني لخم. وتمكن من تحويل إمارته إلى قوة إقليمية كبرى، قبل أن ينتهي به المطاف أسيرًا في المغرب.
نشأة المعتمد بن عباد
المعتمد هو أبو القاسم محمد بن عباد بن إسماعيل اللخمي، من قبيلة بني لخم العربية التي انتقلت إلى الأندلس منذ بدايات الفتح الإسلامي. ونشأ في أسرة عريقة، والده القاضي الشهير أبو القاسم بن عباد الذي أسس حكم بني عباد في إشبيلية معتمدًا على خلفيته القبلية وصلاته بالعرب والبربر في المنطقة.
ولد المعتمد في إشبيلية سنة 1040م، وتربى في كنف والده على حب الأدب والفروسية. وقد أظهر منذ شبابه موهبة شعرية فذة، جعلته محبوبًا بين الخاصة والعامة إلى جانب شجاعته العسكرية.
صعوده إلى الحكم
بعد وفاة والده سنة 1069م تولى المعتمد حكم إشبيلية. وكان شابًا طموحًا فأعاد تنظيم الجيش والتحالفات القبلية واستفاد من مكانة أسرته القبلية والعلاقات التي ورثها من والده. كما وسع نفوذه تدريجيًا ليضم قرطبة ومرسية والجزيرة الخضراء. وتحالف مع بعض القبائل العربية والبربرية لتثبيت سلطانه وواجه ممالك الطوائف الأخرى التي كانت في صراع دائم على النفوذ.
قائد وسيد قبيلة
المعتمد لم يكن مجرد أمير مدينة، بل زعيمًا قبليًا بمعنى الكلمة. فقد اعتمد في سلطانه على ولاء القبائل العربية التي سكنت إشبيلية وضواحيها وكان قريبًا من فرسانهم وزعمائهم. وفي الوقت ذاته احتفظ بعلاقات مع البربر الذين كانوا يشكلون قوة لا يستهان بها في الأندلس.
شاعر ملك
إلى جانب السياسة والحروب، اشتهر المعتمد بشعره الرقيق. كان شاعرًا مجيدًا كتب في الحب والفروسية والفخر والحنين. وتروي المصادر أن زوجته اعتماد الرميكية، التي أحبها عشقًا عظيمًا ألهمته الكثير من أبياته. فجمع بين موهبة الشعر وحكمة القيادة وصار مجلسه في إشبيلية ملتقى للشعراء والعلماء وترك إرثًا أدبيًا خالدًا يُبرز الجانب الإنساني من شخصيته.
التحديات السياسية
واجه المعتمد أكبر تحدياته من الممالك المسيحية في الشمال، خاصة مملكة قشتالة بقيادة ألفونسو السادس. واضطر لدفع الجزية لفترة مقابل الحفاظ على حكمه لكنه عندما اشتد الخطر على الأندلس، دعا المرابطين من المغرب لمساندته ضد الإسبان. كما انتصر مع المرابطين في معركة الزلاقة الشهيرة عام 1086م، التي أوقفت زحف الإسبان مؤقتًا.
نهاية المعتمد بن عباد
رغم تحالفه مع المرابطين سرعان ما انقلبوا عليه إذ اعتبروا ملوك الطوائف عاجزين عن إدارة شؤون المسلمين. فخلعوا المعتمد سنة 1091م، وأرسل أسيرًا إلى المغرب حيث قضى بقية حياته في المنفى بمدينة أغمات. وهناك عاش زعيم القبيلة السابق حياة قاسية،ط لكن كبرياءه وشعره بقيا شاهدين على عظمته حتى وفاته عام 1095م.
ويقول الدكتور يوسف الشاذلي أستاذ التاريخ الأندلسي، إن المعتمد بن عباد لم يكن مجرد أمير، بل كان زعيمًا قبليًا حقيقيًا جمع بين سطوة السيف ورهافة القلم. هو نموذج لقائد عربي حافظ على قيم قبيلته في الشجاعة والكرم. وفي الوقت ذاته مثّل ذروة الثقافة الأندلسية التي مزجت بين السياسة والشعر.



