الصقارة.. حرفة بدوية تجمع بين الصيد والفروسية
أسماء صبحي – بين كثبان الصحراء الشاسعة لم تكن حياة القبائل البدوية مقتصرة على التنقل والرعي فقط. بل برزت فيها مهن وحرف جسدت علاقتهم العميقة بالطبيعة. ومن أهم هذه الحرف الصقارة أي تربية وتدريب الصقور لاستخدامها في الصيد.
الصقارة ليست مجرد هواية بل حرفة قديمة توارثها البدو عبر مئات السنين. فكانت مصدرًا للطعام، ورمزًا للشجاعة والفروسية، وطريقًا لتعزيز مكانة القبيلة بين نظيراتها.
جذور الصقارة
تعود ممارسة هذه الحرفة في الجزيرة العربية إلى آلاف السنين. حيث اكتشف البدو أن الصقر قادر على صيد الطرائد التي قد يصعب على الإنسان اصطيادها. ومع مرور الزمن تحولت إلى حرفة متكاملة تقوم على اختيار الصقور، وتدريبها، ورعايتها بدقة بالغة.
وقد وثقت المخطوطات العربية القديمة قصصًا عن علاقة الفرسان بالصقور. حتى أن بعض القادة كانوا يلقبون بـ “أصحاب الصقور” للدلالة على قوتهم ومكانتهم.
طرق التدريب
يقوم الصقار بترويض الصقر منذ صغره عبر تكرار الطقوس اليومية من التغذية والنداء واستخدام “البرقع” لتغطية عينيه وضبط تركيزه. ويستخدم ما يعرف بـ المخيط أو الملواح وهو قطعة قماشية عليها ريش لإثارة الصقر وتحفيزه على الانقضاض.
ويتطلب التدريب صبرًا طويلًا وخبرة كبيرة لأن الصقر كائن مستقل وصعب المراس ولا يستجيب إلا لمن يكسب ثقته.
الأبعاد الاجتماعية والثقافية
كانت القبائل تفخر بالصقور التي تملكها ويعتبر اقتناء الصقر علامة على الوجاهة والقدرة. كما أن رحلات الصيد بالصقور كانت مناسبات اجتماعية يجتمع فيها الرجال ويتبادلون الخبرات والقصص.
ويقول الدكتور عبدالله الدوسري، الباحث في التراث الصحراوي، إن الصقارة ليست مجرد مهنة بل إرث ثقافي عميق يعبّر عن علاقة الإنسان البدوي بالطبيعة. فهي حرفة تحتاج إلى الحكمة والصبر وتحمل في طياتها قيم الفروسية والكرامة التي ميزت حياة القبائل.
ورغم دخول أدوات الصيد الحديثة، لا تزال هذه الحرفة محافظة على مكانتها كتراث إنساني. فقد اعترفت بها منظمة اليونسكو عام 2010 كتراث ثقافي غير مادي للبشرية. وتقام لها مهرجانات سنوية في دول الخليج لجذب السياح والحفاظ على الحرفة من الاندثار.



