العطوة في قبائل سيناء: مهلة الشرف لوقف الدم وبدء طريق الصلح
أسماء صبحي– مجتمعات قبلية عريقة مثل قبائل سيناء، لم تكن العدالة يومًا حكرًا على المحاكم الرسمية. بل كانت تمارس عبر منظومة عرفية متكاملة تقوم على الحكمة، والشرف، والاحترام المتبادل. ومن أبرز أدوات هذه المنظومة العطوة في قبائل سيناء، وهي أول خطوة في طريق فض الخصومات والانتقام. وتمثل فرصة لإنقاذ الأرواح ومنع اندلاع موجات عنف قد تتسع إلى ما هو أبعد من حدود القضية الأصلية.
العطوة ليست مجرد مهلة زمنية، بل هي عملية اجتماعية وأخلاقية شديدة التعقيد لها طقوسها ورموزها. وتدار بعناية فائقة من كبار مشايخ القبائل، وهي تعبير عن ثقافة متجذرة في المجتمع البدوي. قائمة على حفظ الكرامة ورد المظالم والسعي إلى التسامح دون كسر الهيبة.
ما هي العطوة في قبائل سيناء؟
العطوة هي مهلة تمنح من أهل المجني عليه (أو الطرف المتضرر) للطرف الجاني أو خصمه بناءً على وساطة عرفية. بهدف وقف أي عمليات انتقام أو ردود فعل غاضبة ومنح فرصة لبدء مفاوضات صلح.
تطلب العطوة عادة بعد وقوع جريمة أو حادث جسيم. ويقوم وفد من وجهاء القبائل ومشايخها بالذهاب إلى أهل المجني عليه “لطلب العطوة”. وتقديم رمز يعرف باسم “راية العطوة” وهي غالبًا قطعة قماش بيضاء تعبيرًا عن رغبتهم في التهدئة ووقف التصعيد.
أنواع العطوة في قبائل سيناء
ليست كل عطوة مثل الأخرى، بل تختلف باختلاف نوع القضية ودرجة خطورتها. ومن أبرز أنواع العطوة المعروفة في سيناء:
- عطوة القتل: وهي الأخطر، وتمنح عادة لمدة 3 أشهر وقد تمتد وترافقها شروط مشددة.
- عطوة الجرح: تطلب عند حدوث إصابة جسدية وتحدد قيمتها بحسب حجم الإصابة.
- عطوة الإهانة أو السب: وتمنح لتهدئة الموقف في حال حدوث إساءة لفظية كبيرة أو مساس بالكرامة.
- عطوة العرض: أخطرها اجتماعيًا، وتطلب عند حدوث انتهاك يخص سمعة المرأة أو الأسرة وتحظى بأشد الإجراءات.
مراحل طلب العطوة
- تجهيز الوفد: يتكون من مشايخ معروفين بالحكمة والحياد، وغالبًا ما يكونون من قبائل غير متداخلة في النزاع.
- تقديم الراية: يحمل “راية العطوة” البيضاء ويسلم لأهل المجني عليه عند وصول الوفد. ويرافقها عبارات الاعتذار والتوسل.
- كلمة أهل القتيل أو المجني عليه: قد يرفضون في البداية من باب التقاليد. لكن تعاد المحاولة أكثر من مرة لإظهار حسن النية.
- الموافقة و”ربط العطوة”: إذا قبل الطرف المتضرر يسجل اتفاق العطوة كتابيًا بحضور الشهود وتدخل حيز التنفيذ.
شروط العطوة
عند قبول العطوة، يلتزم الطرفان بعدة شروط:
- وقف كل أشكال العنف والانتقام.
- منع نشر الشتائم أو التحريض.
- عدم اقتراب أهل الجاني من منطقة المجني عليه خلال فترة العطوة.
- الالتزام بموعد جلسة “الرباعة” أو التحكيم العرفي بعد انتهاء العطوة.
موقف الدولة من العطوة
في السنوات الأخيرة، بدأت مؤسسات الدولة، خاصة في شمال ووسط سيناء بالتعاون مع مشايخ القبائل لتنظيم هذه العادة المهمة وضمان عدم استخدامها بشكل يخالف القانون.
وقال اللواء محمد عبد الفضيل شوشة، محافظ شمال سيناء، إن العرف البدوي في سيناء وعلى رأسه العطوة. لعب دورًا محوريًا في حقن الدماء ومنع انفلات الأمن خلال فترات صعبة. ونحن نعمل على دمج هذه العادات في إطار الدولة دون أن تتعارض مع القوانين.
شهادات من الواقع
يروي الشيخ سالم الكاشف، أحد وجهاء قبيلة السواركة في منطقة الشيخ زويد: “في إحدى القضايا حدث قتل خطأ بين اثنين من شباب القبائل. وكان الغضب عارمًا وكادت تندلع فتنة لكن وفد العطوة تدخل بسرعة. وتمكنا من ربط عطوة مدتها 3 أشهر وخلالها أقيم الصلح في جلسة حضرها أكثر من 200 شخص وانتهى النزاع بلا دماء”.
وأضاف: “العطوة ليست إذلالًا بل فرصة للصلح. والراية البيضاء ليست علامة ضعف بل شرف وسلام”.



