غزو الفايكنغ لاشبيلية حين اشتعلت الاندلس سبعة ايام بين النار والدم
في اواخر ايام الصيف من عام 844 ميلادي، عاشت اشبيلية هدوءا وادعا تحت شمس الاندلس الدافئة، وملأت الحركة اسواقها، فتعالت اصوات التجار، وارتفعت ضحكات الاطفال، وانتشرت رائحة التوابل والياسمين في الازقة، ورفع المؤذنون الاذان من المساجد، وتمايلت اشجار البرتقال على ضفاف النهر الكبير، وعاش الناس يومهم في امان معتاد، ولم يتخيل احد ان الخطر سيصلهم من بحر بعيد، بحر لم يعرفوه الا من روايات البحارة وحكايات السفر الطويل.
قصة غزو الفايكنغ لاشبيلية
وفي صباح يوم 25 سبتمبر، شق الضباب صفحة النهر، وظهرت اشرعة حمراء تثير الرهبة، وتقدمت سفن طويلة زينت مقدمتها برؤوس تنانين وذئاب، وتحركت ببطء وثبات، كأنها مخلوقات خرجت من اساطير الشمال، وحمل رجالها فؤوسا ثقيلة ودروعا لامعة، ونظروا بعيون قاسية لا تعرف شفقة، وجاء هؤلاء من اقصى الشمال، انهم الفايكنغ الذين اعتادوا ركوب البحار واقتحام المدن الساحلية بحثا عن الغنائم والمجد الدموي.
حاول اهل اشبيلية الدفاع عن مدينتهم بكل ما امتلكوا من قوة، فتقدم الفلاحون والتجار وطلاب العلم، ووقفوا عند الابواب يحملون السيوف والعصي، واعتمدوا على ايمانهم وعزيمتهم، لكن الغزاة اندفعوا كعاصفة عاتية، واقتحموا المدينة في الايام الاولى من اكتوبر بعد قتال شديد، وانتشروا في الشوارع الضيقة يصرخون، ونهبوا البيوت، واسروا النساء والاطفال، وقتلوا من واجههم، واشعلوا النار في الدور والمخازن، فارتفع دخان اسود كثيف وغطى السماء بالحزن والخوف.
عاشت المدينة سبعة ايام كاملة في كابوس متواصل، وملأت صرخات النساء الليل، وسالت دماء الرجال في ازقة كانت تنبض بالحياة قبل ايام، وفر كثير من السكان نحو قرطبة وكارمونا، وحملوا معهم حزنهم وخسارتهم، ورفعوا اكفهم بالدعاء طلبا للنجدة، وانتظروا من ينقذ مدينتهم من هذا العدوان القاسي.
في قرطبة، تحرك الامير عبد الرحمن الاوسط بسرعة، ورفض ان يترك اشبيلية لمصيرها، فجمع جيشه، واسند قيادته الى عيسى بن شهيد الحاجب الذي عرف الناس صلابته وحزمه، واستنفر الرجال من القرى والمدن، وجاء موسى بن موسى رغم خلافه القديم ليشارك في الدفاع، وجمع الخطر القلوب بعد ان فرقتها الخصومات، وتحرك الجميع تحت راية حماية الارض والعرض.
اشتعلت المعارك حول اشبيلية، وتبادل الطرفان الكر والفر، ونصب المسلمون المجانيق، وامطروا معسكرات الفايكنغ بالحجارة، ووصلت امدادات جديدة من قرطبة تحمل الرجال والسلاح، ثم جاءت المواجهة الحاسمة في معركة طلياطة يوم 11 نوفمبر، فاندفع الجيش الاسلامي بقوة وثبات، ووجه ضربات قاسية للفايكنغ، وقتل المئات منهم، واحرق السفن التي حملتهم عبر البحر، وعاقب بعض الاسرى على ما ارتكبوا من جرائم، ففر الباقون مذعورين نحو سفنهم، وتركوا خلفهم مدينة مجروحة لكنها لم تسقط.
بعد ان تحقق النصر، وقف عبد الرحمن الاوسط يتفقد اثار الدمار، وادرك ان اشبيلية تحتاج الى حماية اقوى، فامر ببناء اسوار متينة، وانشأ دارا لصناعة السفن، وعزز الاسطول البحري، ووزع الحراس على طول السواحل، واتخذ اجراءات عملية حتى يمنع تكرار هذا المشهد المؤلم، واراد ان يجعل من التجربة القاسية نقطة تحول في تاريخ الدفاع عن الاندلس.
ومرت السنوات، وحاول بعض الفايكنغ العودة في غارات متفرقة، لكنهم وجدوا الاندلس مستعدة ويقظة، فتراجعوا وانسحبوا، واستقر بعض من بقي منهم بعد ان اختاروا الاسلام، واندمجوا في المجتمع، ومارسوا التجارة وباعوا السلع والمنتجات، وكأن الايام اثبتت ان التحول ممكن حتى لمن جاء غازيا، وان الارض التي صمدت في وجه النار استطاعت ان تحول المحنة الى درس في القوة والتماسك.



