قبائل و عائلات

عائلة الشحاحدة في سيوة: توازن بين الجذور العربية والهوية الأمازيغية

أسماء صبحي – في قلب الصحراء الغربية المصرية، وعلى بعد أكثر من 300 كيلومتر جنوب غرب مرسى مطروح. تقع واحة سيوة، تلك الجوهرة التي تجمع بين الطبيعة الخلابة، والعمق التاريخي، والغنى الثقافي. وبين نخيلها، وينابيعها الكبريتية، وأسوار قراها الطينية، تعيش عائلات تمتد جذورها إلى قرون مضت. ومن أبرز هذه العائلات ذات الأصول العربية عائلة الشحاحدة التي تمثل إحدى نماذج التعايش بين الثقافة العربية والأمازيغية في سيوة.

أصول عائلة الشحاحدة

تنتمي العائلة إلى أصول عربية، ويعتقد أن جذورها تعود إلى قبائل بني هلال أو أولاد علي الذين قدموا من ليبيا إلى الصحراء الغربية. خاصة خلال فترات التوتر في الداخل الليبي في القرن الثامن عشر واستقروا في أطراف سيوة. قبل أن يندمجوا تدريجيًا في نسيجها الاجتماعي.

ويشير مؤرخون محليون إلى أن الشحاحدة لم يكونوا وحدهم من العرب في سيوة. بل شكلوا جزءًا من موجات هجرة عربية انتقلت من برقة وطرابلس نحو سيوة. وخاصة مع ازدهار طرق القوافل والتجارة عبر الصحراء.

الاندماج في المجتمع السيوي

بخلاف بعض العائلات الوافدة التي تمسكت بخصوصيتها، نجحت العائلة في تحقيق مستوى عالي من الاندماج مع المجتمع الأمازيغي في سيوة. وهو ما انعكس في استخدامهم اليومي للغة السيوية (تاسيويت). ومشاركتهم في المناسبات الثقافية مثل مهرجان السياحة والملح وموسم عيد السياحة.

لكن رغم هذا الاندماج، لا تزال العائلة تحافظ على عدد من الطقوس العربية. خاصة فيما يتعلق بتقاليد الزواج، والتسمية، والمناسبات الدينية، حيث يلاحظ استخدام أسماء عربية مثل: فوزي، علي، عبدالرحمن، وهدى.

المكانة الاقتصادية والاجتماعية

تعد عائلة الشحاحدة من العائلات المؤثرة اقتصاديًا في سيوة، خاصة في مجالات الزراعة وتحديدًا زراعة الزيتون والتمر. كما يعرف عنهم اهتمامهم بصناعة منتجات النخيل مثل الخوص والألياف. إلى جانب انخراط بعض أفرادهم في العمل السياحي البيئي من خلال تشغيل بيوت ضيافة سيوية تقليدية تستقبل السياح الباحثين عن الهدوء والعزلة.

وقد برز من العائلة عدد من الشخصيات المرموقة، مثل:

  • الحاج حسين الشحاحدة: من أوائل من عملوا على إنشاء مشاريع بيئية مستدامة في الواحة.
  • الدكتور طارق الشحاحدة: خبير في تنمية المناطق الصحراوية. عمل مع منظمات دولية لتطوير الزراعة في سيوة.
  • آمنة الشحاحدة: ناشطة في مجال تمكين النساء السيويات وتعليم الفتيات في القرى النائية.

ويقول الدكتور خالد حنفي، الباحث في الجغرافيا البشرية بجامعة الإسكندرية، إن عائلة الشحاحدة تمثل نموذجًا مثيرًا للبحث. إذ نجحت في الاحتفاظ بجذورها العربية في بيئة يغلب عليها الطابع الأمازيغي. كما إن اندماجهم لم يكن صراع هويات، بل تفاعل ثقافي إيجابي. ومن المهم ملاحظة كيف ساهمت هذه العائلة في تعزيز الاقتصاد المحلي والمشهد البيئي دون أن تفرض ثقافتها أو تتخلى عن هويتها الأصلية.

ويضيف: “سيوة كانت دائمًا ممرًا للثقافات، ووجود عائلات عربية كالشحاحدة يعكس ديناميكية هذا التنوع. ويعيد التأكيد على الطبيعة التراكمية للهوية السيوية”.

العادات والتقاليد المشتركة

من أبرز المظاهر التي تجمع بين الطابع العربي والأمازيغي لدى عائلة الشحاحدة:

  • الزي النسائي المختلط: حيث ترتدي نساء العائلة زيًّا تقليديًا مستوحى من الملابس الليبية والسيوية.
  • الاحتفاء بالموالد الدينية مثل مولد النبي و”أسبوع سيدي سليمان”. وهي احتفالات تعقد في قلب الواحة وتشارك فيها مختلف العائلات.
  • طقوس الأفراح التي تمتزج فيها الزغاريد العربية بالرقصات الأمازيغية كـ”زكرية” و”الدفوف”.

دور الشباب في عائلة الشحاحدة

يحرص أبناء الجيل الجديد من الشحاحدة على الجمع بين التعليم الحديث والمحافظة على التراث. وكثير منهم درسوا في جامعات كبرى، وعادوا لإطلاق مشاريع صغيرة مثل السياحة البيئية، مصانع زيت الزيتون العضوي، وورش لتدوير مخلفات النخيل وتحويلها إلى منتجات حرفية.

ويشير عبدالرحيم الشحاحدة، شاب في الثلاثينات يعمل في مشروع ضيافة بيئية، إلى أنهويتهم ثرية ومتعددة. وأنه فخور بأنه عربي سيوي، وأنهم يحاولون بناء مستقبل حديث دون أن يفقدوا جذورهم.

التحديات المعاصرة

رغم هذا النموذج الإيجابي، تواجه العائلة تحديات مشابهة لتلك التي تواجه سيوة عمومًا، من أبرزها:

  • العزلة الجغرافية: صعوبة الوصول إلى الخدمات الحكومية أو تسويق المنتجات خارج الواحة.
  • مشكلات المياه والري: بسبب تراجع مستوى المياه الجوفية.
  • التغير المناخي: الذي أثر على محصولي التمر والزيتون.

لكن العائلة تعول على تماسكها الاجتماعي، وعلى المبادرات الشبابية الجديدة التي تعيد تقديم سيوة للعالم كواحة للتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى