المزيد

دماء دجلة وسقوط لؤلؤة العالم الإسلامي بغداد 1258

دماء دجلة وسقوط لؤلؤة العالم الإسلامي بغداد 1258

في عام 1258، وقفت بغداد، لؤلؤة العالم الإسلامي، على حافة الانهيار، حيث أن المدينة التي أضاءت العالم بالعلم والفكر، وعاصمة الخلافة العباسية، أحاط بها خطر قاتم يقترب بشراسة هولاكو، القائد المغولي الذي لم يعرف الرحمة، تقدم بجيشه كسيل مدمر، يحمل الخراب في قلبه والرعب في سيفه في قصر الخلافة، جلس الخليفة المستعصم بالله، وقلبه يتأرجح بين خيوط أمل ضعيف ومخاوف لا تهدأ، وهو يتابع الأخبار التي كانت تنذر بعاصفة ستبتلع تاريخ أمة كاملة.

سقوط لؤلؤة العالم الإسلامي بغداد 1258

وردت الأنباء كالصاعقة، المغول اقتربوا من أسوار بغداد، بعد أن اجتاحوا مدن الشرق الإسلامي من بخارى إلى سمرقند، تاركين خلفهم الخراب والدمار الخليفة، وقد حمل مسؤولية القيادة الدينية والسياسية، تشبث ببصيص أمل وأمر أحد القادة الشجعان بمواجهة الغزاة بقوة لا تتجاوز عشرين ألف مقاتل في أرض المعركة، تصادمت السيوف وارتفعت صيحات القتال، لكن جيش بغداد لم يصمد أمام جبروت المغول، وتبدد الأمل، وانهارت الصفوف، وترك الجنود مواقعهم فتعرّت المدينة تمامًا من الدفاع.

تحرك المغول بسرعة البرق، وفرضوا حصارًا محكمًا على بغداد، وأطبقوا عليها من كل الجهات الجيش العباسي، الذي كان رمزًا للعزة، سقط أمام الحيل العسكرية التي استخدمها المغول بمهارة، فجروا السدود، وأغرقوا المناطق الشرقية من المدينة، فتحولت الأحياء إلى مستنقعات شلّت حركة المدافعين، حيث استخدموا أساليب مرعبة، لم تعرفها بغداد من قبل، وأطلقوا وعودًا كاذبة بالأمان، فانخدع بها البعض، ليواجهوا بعد ذلك طعنات الغدر.

في قصر الخلافة، اقترح الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي تقديم هدايا لهولاكو في محاولة لتهدئة الوضع، لكن دويدار الصغير أيبك، المقرب من الخليفة، رفض ذلك واتهم الوزير بالخيانة والتواطؤ مع العدو، أُرسلت هدايا متواضعة، لم ترضِ طمع هولاكو، فطالب بتسليم كبار شخصيات المدينة الخليفة رفض، متمسكًا بكرامته، لكنه أدرك في قرارة نفسه أن الوقت ينفد.

حاول الخليفة أن يتفاوض بنفسه في لحظة يأس، فتقدم مع سبعمائة من القضاة والعلماء لمقابلة هولاكو، محذرًا من لعنة قتله، مستندًا إلى مكانته كخليفة للمسلمين، لكن ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي، اللذان كانا قريبين من دوائر القرار، همسا في أذن هولاكو، مشجعين إياه على المضي في طريق الإطاحة بالخليفة وبعد لحظات، قبض المغول على المستعصم، ووضعوه في جوال، ثم داسوه حتى الموت، خشية من الأساطير التي ارتبطت بدمائه.

انفجرت الكارثة الكبرى، واستباح المغول بغداد لأربعين يومًا متتالية نهبوا الكنوز، وأحرقوا المساجد، ودمروا البيوت، ولم يسلم حجر ولا شجر نهر دجلة، الذي كان رمزًا لحياة المدينة، تحول إلى مجرى من الدماء مختلطًا بحبر آلاف الكتب التي ألقوها في النهر، حيث تجاوز عدد القتلى المليون، رجال ذُبحوا، نساء انتهكت كرامتهن، أطفال سُحقوا بلا رحمة، وشيوخ قُتلت أرواحهم وهم يرتجفون من هول المشهد،  حتى الحوامل لم يسلمن، فقد مزق المغول بطونهن، بحثًا عن الذهب.

مكتبات بغداد، التي بناها العلماء على مدى قرون، صارت رمادًا، وكنوز العلم من فلسفة وطب وفلك وشعر، إما غرقت في النهر أو أكلتها النيران، حيث صرخ العلماء في وجه الجريمة، لكن لا أحد سمعهم أما المصيبة الأعظم، فكانت في نهب المخطوطات وكنوز المعرفة، التي نُقلت إلى أماكن مجهولة، وكأن حضارة بأكملها سُرقت غادر المغول بغداد، وتركوا خلفهم مدينة ميتة، ترثي تاريخها تحت سماء سوداء ملأها دخان الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى