مدينة جرش الأثرية: جوهرة الحضارات الرومانية في الأردن

أسماء صبحي
تعد مدينة جرش واحدة من أقدم وأهم المدن الأثرية في الأردن. إذ يعود تاريخ الاستيطان البشري فيها إلى أكثر من 6500 عام. وازدهرت المدينة بشكل كبير في العهد الروماني حيث أصبحت جزءًا من حلف “الديكابولس”. وهو اتحاد يضم عشر مدن رومانية كانت تمثل مراكز حضارية وتجارية مهمة في الشرق الأدنى.
وفي أوج ازدهارها، كانت جرش تعرف باسم “جراسا”. وشهدت نشاطًا تجاريًا كبيرًا بفضل موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل التجارية بين شبه الجزيرة العربية وحوض البحر المتوسط. ونتيجة لذلك، تطورت المدينة بسرعة لتصبح مركزًا حضاريًا مزدهرًا يضم مسارح وساحات ومبانٍ عامة تمثل نموذجًا رائعًا للعمارة الرومانية.
المعالم الأثرية في مدينة جرش
بنس قوس هادريان عام 129 ميلاديًا تكريمًا لزيارة الإمبراطور الروماني هادريان للمدينة. ويعد القوس من أبرز معالم جرش ويبلغ ارتفاعه حوالي 11 مترًا. وقد صمم بطريقة هندسية رائعة تعكس مهارة المعماريين الرومان في تشييد البوابات الضخمة.
وهناك أيضًا ميدان سباق الخيل (الهيبودروم) الذي كان يستوعب ما يصل إلى 15,000 متفرج. حيث كان يستخدم لإقامة سباقات الخيول والعربات بالإضافة إلى العروض الرياضية والعسكرية. وما زال هذا الموقع يستخدم حتى اليوم في الفعاليات التراثية التي تقام ضمن مهرجان جرش للثقافة والفنون.
كما يعد المسرح الجنوبي من أكبر المسارح الرومانية في المنطقة ويتسع لحوالي 3,000 متفرج. ويتميز بتصميمه الصوتي الفريد الذي يتيح وصول الصوت إلى جميع الزوار دون الحاجة لأي معدات حديثة. وما زال يستخدم للعروض الفنية والموسيقية حتى اليوم.
ويمتد شارع الأعمدة (كاردو ماكسيموس) يطول 800 متر، ويحاط بصفين من الأعمدة الكورنثية المزخرفة التي كانت تُزيّن ممرات المشاة. كما كان الشارع يعتبر القلب التجاري للمدينة حيث تصطف المحلات والأسواق العامة على جانبيه.
الأهمية الثقافية للمدينة
إلى جانب قيمتها التاريخية، تعد جرش مركزًا ثقافيًا مهمًا في الأردن حيث تستضيف سنويًا “مهرجان جرش للثقافة والفنون”. وهو حدث ضخم يجذب الفنانين والمثقفين من جميع أنحاء العالم. كما يشمل المهرجان عروضًا موسيقية، ومسرحيات، وفعاليات تراثية مما يعيد الحياة إلى المدينة الأثرية. ويُبرز دورها كجسر يربط بين الماضي والحاضر.
ويقول الدكتور زيدون الخطيب، أستاذ التاريخ القديم في الجامعة الأردنية، إن مدينة جرش ليست مجرد أطلال حجرية. بل هي كتاب مفتوح يروي قصة ازدهار الحضارة الرومانية في الشرق. كما يحمل كل عمود وكل حجر هنا ذاكرة شعب وإرث أمة.
وعلى الرغم من مرور آلاف السنين، إلا أن العديد من معالم جرش ما زالت قائمة بفضل جهود الترميم المستمرة. وتعمل وزارة السياحة الأردنية بالتعاون مع منظمات دولية على ترميم القطع الأثرية وإعادة بناء بعض الأجزاء المنهارة من الهياكل القديمة لضمان الحفاظ على هذا الكنز الحضاري للأجيال القادمة.