صناعة السجاد اليدوي.. حرفة الأصابع الذهبية التي تتحدى الزمن
أسماء صبحي– زمن تسيطر فيه الآلات الحديثة وخطوط الإنتاج السريعة على أغلب الصناعات. تظل بعض الحرف اليدوية شاهدة على إبداع الإنسان وصبره ودقته. ومن بين هذه الحرف التي تزين البيوت وتشكّل جزءًا من التراث الثقافي والاقتصادي لعدد من الدول، تبرز صناعة السجاد اليدوي. إنها ليست مجرد صناعة تقليدية بل لوحة فنية تحيكها أصابع الحرفيين بخيوط من الصوف أو الحرير، وتروي قصة حضارة ممتدة عبر مئات السنين.
جذور صناعة السجاد
ترجع صناعة السجاد اليدوي إلى آلاف السنين، حيث عُثر على أقدم قطعة سجاد في سيبيريا تسمى “سجادة بازيريك” ويعود تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد. أما في العالم العربي فقد اشتهرت مصر والمغرب بصناعة السجاد التقليدي الموشى بالزخارف الهندسية فيما تميزت إيران وتركيا بأرقى أنواع السجاد الحريري الفاخر.
مراحل الصناعة
- اختيار الخامات: يعتمد الحرفيون على الصوف الطبيعي، أو القطن، أو الحرير. وتختلف الجودة والسعر تبعًا لنوع الخامة.
- الغزل والصباغة: يتم غزل الخيوط يدويًا وصباغتها بألوان طبيعية مستخلصة من النباتات مثل الرمان النيلي، والكركم.
- النسيج على النول: تثبت الخيوط الطولية على “النول”، ثم يبدأ الحرفي بحياكة العقد واحدة تلو الأخرى. وهو عمل يتطلب صبرًا ودقة متناهية.
- الزخرفة والتصميم: تختلف الزخارف بين الأشكال الهندسية، الزهور. والرموز المستوحاة من البيئة والثقافة المحلية.
- التشطيب النهائي: يقص السجاد وينظف ويعرض تحت الشمس ليأخذ بريقه النهائي.
الأبعاد الثقافية
السجاد اليدوي ليس مجرد غطاء للأرضيات بل هو وعاء ثقافي يختزن بين خيوطه رموزًا حضارية. ففي المغرب مثلًا، تُعتبر السجادة “الزربية” بمثابة رسالة مشفّرة تحكي قصص النساء عن الحب والخصوبة والحياة اليومية. أما في مصر فتعد صناعة السجاد اليدوي جزءًا من الهوية الشعبية في القرى الريفية مثل قرية كرداسة والحرانية.
وتعد صناعة السجاد اليدوي مصدر دخل رئيسي لآلاف الأسر في القرى والنجوع. ففي مصر، يعمل آلاف الحرفيين في الورش الصغيرة المدعومة من وزارة التضامن أو المبادرات الأهلية. أما المغرب وإيران، فيُصدّر السجاد اليدوي إلى الأسواق العالمية، ويُباع بأسعار تصل أحيانًا إلى عشرات الآلاف من الدولارات للقطعة الواحدة.
التحديات التي تواجه الحرفة
- رغم مكانتها التاريخية، إلا أن هذه الحرفة تواجه تحديات كبيرة:
- المنافسة مع السجاد الآلي الذي يُنتج بسرعة وبأسعار أرخص.
- قلة الأيدي العاملة الشابة، إذ يعزف الكثير من الشباب عن تعلمها بسبب صعوبتها وطول وقت الإنتاج.
- ارتفاع أسعار الخامات الطبيعية مما يضع عبئًا إضافيًا على الحرفيين.
جهود الإحياء والحفاظ
- في مصر، أطلقت مبادرات لإحياء السجاد اليدوي مثل مشروع “سجاد الحرانية” الذي أسسته رائدة الفنون التشكيلية إنجي أفلاطون.
- في المغرب، هناك دعم رسمي لـ”الزربية المغربية” باعتبارها منتجًا تراثيًا يسجل في اليونسكو.
- في إيران، أدرج السجاد الفارسي على قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو.
ويقول الحرفي محمود عبد اللطيف، وهو من صانعي السجاد في قرية الحرانية بالجيزة، إن صناعة السجاد اليدوي مش مجرد شغل دي حكاية عمر وصبر. كل سجادة ممكن تاخد شهور من العمل لكن قيمتها الفنية والمعنوية بتفضل عايشة لسنين طويلة. لو ما اهتمناش بيها، هنخسر جزء مهم من تراثنا.



