مرأه بدوية

ست الملك.. السلطانة التي حكمت من وراء الحجاب وأشعلت دهاليز الخلافة

في قلب القاهرة الفاطمية، حيث تتناثر قصور الحكم على ضفاف النيل، عاشت امرأة لم تقف عند حدود أن تكون أميرة، بل سيطرت على عرش الخلافة من خلف ستائر القصور اسمها ست الملك، السلطانة التي أمسكت بخيوط الحكم بثبات وحكمة، وسط زمن تتلاعب فيه المؤامرات كنسمة خفية لا تُرى.

من هي ست الملك

ولدت ست الملك عام 970، ابنة الخليفة العزيز بالله من والدته الرومية المسيحية، السيدة العزيزية، التي احتلت مكانة قوية داخل أروقة الحكم، كما نشأت ست الملك وسط أجواء البلاط المترف، وتعلمت فنون السياسة من أبيها وجده المعز لدين الله، فراقبت كل حركة داخل القصر، عرفت كيف يتنقل الوزراء بين المناصب، وسمعت همسات الحاشية، ولم تغفل عن خيوط المؤامرات التي كانت تحاك في الظلام.

عندما توفي والدها عام 996، ورث أخوها الطفل الحاكم بأمر الله عرش الدولة، وهو لم يتجاوز الحادية عشرة، كان الحاكم صغيرا، تتصارع حوله أطماع الرجال، لكن ست الملك، التي بلغت حينها السادسة والعشرين، تحركت لحمايته، وبدأت ترسم خطة دفاعها من وراء ستائر القصر، و أطاحت أولا بالخادم ابن عمار الذي حاول الهيمنة على الحاكم، ثم تحالفت مع الوزير برجوان، وأغدقت عليه الهدايا، وقدمت للحاكم ثلاثين فرسا مرصعة بالذهب وتحفا ثمينة لكسب ثقته.

لكن برجوان خيب ظنها، فقد استبد بالحكم ونهب الثروات، فقررت ست الملك أن تنهي لعبته. جهزت المشهد بصمت، وفي إحدى الليالي، استُدعي برجوان إلى القصر، فطعنه الحاكم بنفسه، وكانت عينا ست الملك تتابع الحدث من خلف الحجاب، وهي تتحسس نبض الخطر.

لم يكن ذلك الانتصار دائما، إذ بدأ الحاكم يشك في أخته، وبدأ يرى فيها تهديدا متناميا لسلطانه، لفّق لها الاتهامات، وضيّق عليها حركتها، فانسحبت إلى قصرها، دون أن تتوقف عن مراقبة مجريات الأمور، ومع مرور الوقت، ازدادت تصرفات الحاكم غرابة، ففرض قيودا مشددة على النساء، ومنع الملوخية والجرجير، وأصدر قرارات أغضبت الناس، حتى ادعى بعض أتباعه ألوهيته، ما أدى إلى اشتعال الفسطاط بالفتن والاضطرابات.

وفي ليلة 13 فبراير من عام 1021، خرج الحاكم كعادته نحو جبل المقطم، ولم يعد، انتشرت همسات في الأرجاء بأن ست الملك نسّقت مع الأمير الحسين بن الدواس لاختفائه، كما دُفنت جثته سرا، وأعلنت الدولة غيبته لتهدئة الشارع بعدها تحركت ست الملك بسرعة خاطفة، فأعدمت كل من نافس ابن الحاكم على العرش، ووزعت مليون دينار على الجند لضمان ولائهم، ثم نصبت علي بن الحاكم خليفة باسم الظاهر لإعزاز دين الله، في موكب ضخم وضعت فيه على رأسه تاج الخلافة.

واصلت ست الملك إدارة الدولة من خلف الحجاب، فعززت خزائن المال، واختارت الوزراء الأكفاء، وأصلحت ما دمره حكم أخيها،  تخلصت من كل من شاركها في جرائم الماضي، وأخفت كل دليل يمكن أن يهدد شرعيتها، ولم تتزوج يوما، لأنها وهبت حياتها للخلافة.

وعندما وافتها المنية عام 1023 عن عمر ناهز السابعة والخمسين، تركت وراءها إرثا من الحكمة والدهاء، وثروة ضخمة، وحكاية سلطانة لم تحكم من العرش، لكنها قادت مملكة كاملة من وراء حجاب، دون أن يُحجب أثرها يوما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى