حوارات و تقارير

قاضي القبائل يحيى الغول في حوار لـ «صوت القبائل»:  القضاء العرفي مستمد من الشريعة.. ولا يعارض قوانين الدولة

محمود حسن الشوربجي_حاتم البلك

 

هو يحيى محمد إبراهيم عطية الغول، من مواليد مدينة العريش في 26 نوفمبر 1955م، قاضٍ شرعي وعرفي ومصلح اجتماعي، ينتمي إلى قبيلة الفواخرية، حاصل على ليسانس حقوق، عضو في جمعية التراث السيناوي ومن المهتمين بتراث وقيم وتنمية سيناء، مثَّل المحافظة في المجالس الشعبية، كما أنه من الشخصيات التي تُحال إليها القضايا من جهة الإدارة بمحافظة شمال سيناء، وهو مؤلف كتاب “سيناء المقدسة” صدر في عام 2008م، وكذلك كتاب “العريش الماضي والحاضر” صدر في عام 2009م، وكتاب “القضاء العرفي في شبه جزيرة سيناء” صدر في عام 2010م، وهو يسير على نهج والده القاضي العرفي المرحوم الشيخ محمد إبراهيم عطية الغول.. “صوت القبائل” حاورت القاضي الحكيم.. وإلى النص..

 

* كيف كانت البداية لديكم في الاتجاه للقضاء العرفي بسيناء؟

البداية كانت والدي القاضي العرفي الشيخ محمد إبراهيم الغول، كان قاضيا عُرفيا في سيناء، تعلمت منه الأصول والقواعد والأحكام والشرائع الخاصة بالقضاء العرفي، والغرض من هذا ليس احترافا ولا مكسبا ماديا بقدر ما هو إصلاح اجتماعي، وهي ليست مهنة مادية، ومن حبي لها اتخذتها موهبة أصقلتها بالتجارب والممارسة، كما أحاول دائما أن أتطور في إجراءات الأحكام بما يتوافق مع المستجدات الحالية وما ينفع المجتمع، ثم عايشت جيدا وبتدقيق بمزيد من الوعي متحريا الواقع والعادات والتقاليد وكافة أمور المجتمع لكي أستطيع التعامل مع أبناء المجتمع والحكم بينهم.

والقضاء العرفي ليس نصوصا قرآنية، وإنما قواعد تتماشى مع المستجدات في كل زمان بما يتوافق مع عادات المجتمع.

بالنسبة لي القضاء العرفي لم يكن الهدف منه التربح، وهو شيء مرفوض شكلا وموضوعا بالنسبة لي، وهي عملية في وجداني للإصلاح، والرغبة في عمل الخير.

 

* بالنسبة للقضاء العرفي.. هل هو مختلف فيما بين الأقاليم بالمحافظات الأخرى؟

ربما يكون هناك اختلاف في بعض المفردات والواقع بين الأقاليم، وفي المحافظات التي بها امتداد صحراوي يكون فيها قواعد أشد، حيث إن المدن تحتوي على مصالح حكومية وأقسام شرطية وغيرها، لذلك تكون فيها القواعد أشد للمصلحة العامة، أما في جذور الموضوع، فإن القضاء العرفي هو جزء من العرف وما ثبت في وجدان المجتمعات ومجموعة قواعد لا تختلف عن الشريعة الإسلامية في حرمة النفس والعرض والمال والمحافظة عليه، وأنواع التجارة والمعاملات التي يعيشها الناس وهي تخضع لقواعد، وهذه القواعد في الأصل مبنية على عادات أصبحت ثوابت في أذهان الناس، فمن خلالها يتم الحل.

 

* هل الدولة تعترف بأحكام القضاء العرفي؟

طالما طرفا الخصومة عندهما قبول بالحل وتنفيذ إجراءات الحل، فالحكومة لا تعترض، وهي بدورها تريد الاستقرار للأمور، في الغالب القضايا التجارية والمدنية وأمور المعاملات بين المجتمع لا يحدث تدخل من الدولة لصالح أحد ولا تعترض على هذا الموضوع، أما الأمور المتعلقة بالجنايات الكبرى فيتم التدخل من الدولة للسيطرة والحفاظ على الأمن العام، وإن تم الصلح بين طرفي الخصومة فالدولة تتجاوب للموضوع، والقانون لا يمنع الصلح.

 

* هل أحكام القضاء العرفي سارية؟

حسب الإجراءات، حيث إن هناك إجراءات شكلية وأخرى موضوعية، والشكلية: حينما يتم الاتفاق بين الطرفين المتخاصمين بأن الحكم الذي سيصدر من القاضي المختص نافذ المفعول، ويتم الاتفاق بينهم في كل الإجراءات التي يتطلبها التحكيم ويكون هناك كفالة في هذا الموضوع، أو مشاهدة التحكيم لأنه كانت قديما القراءة والكتابة قليلة وغالب الأحكام شفهية.

أما الإجراءات الموضوعية فهي تأتي على ثلاث مراحل قضائية، فمن حق أحد المتخاصمين أن يستأنف الحكم ومن حق الآخر أن يستأنف الحكم كإجراء طمأنينة، بحيث من الممكن أن يقدم تظلما، وهذا التظلم ينقله لقاضٍ آخر، والنقل بين القضاة بحسب رغبة أي متخاصم يكون متفقا عليه قبل الحكم وليس بعد النطق بالحكم.

 

* ما الاختلاف بين القضاء العرفي في سيناء ومكان آخر؟

يكون الاختلاف دائما في نوع المعاملات، وعلى سبيل المثال في قضايا القتل، فمن المعروف أنه لا أحد يستطيع أن يجتهد فيها، وهي معروفة بأن القتل إما عمد أو شبه عمد أو خطأ، وفي كل الأحوال بالنسبة للقتل العمد يكون هناك ولي أمر وهو الدولة وقانونها، إذا التقى الخصمان واتفقا إلى الوصول في إجراءات “الدِيَّة” أو العفو، في هذه الحالة نبدأ في الإجراءات والتصعيد لها بالصلح، أو تغيير أقوال إلى جهة الاختصاص في المحاكم، والقاضي بدوره يُخلي سبيل الجاني أو الجناة إذا كانوا أكثر من شخص وتنتهي القصة، ولا يملك أحد أن يتعدى حدوده على سلطان الدولة، وإلا سوف نعيش في فوضى.

 

وبالنسبة لإجراءات “الدِيَّة” في أحكام القتل، فهي شرعية، ومحددة باجتهاد بعض العلماء من الفضة والذهب، وكل هذا يرجع حسب معاملة أهل المدينة، وغالبا يتم تقديرها بالإبل كونها موجودة في الشرق الأوسط كله، والقاضي عند الحكم يختار ما يناسب المجتمع حيث يتم تنفيذه، وأن تكون إجراءات التنفيذ في حدود مقدرة المجتمع، بحيث لا يتم تحديد الدية من الإبل بأعدادها بقدر ما يكون بثمنها، وفي النهاية ليس الغرض الأساسي مرادا به مادة أكثر منه إظهار حقوق للمظلوم، ومن الممكن أن يتجاوز صاحب الحق عن جزء من حقوقه أو كلها، وله الحرية، وهو بالطبع مفتوح له مجال العفو بالكامل.

 

* ما القواعد العامة للقضاء العرفي وأصوله؟ 

قواعد العرف تعني “ما استقر من معاملات وتعاملات وإقرار بالشريعة والعقيدة في وجدان الأجيال، على ضوئه قام السابقون بعمل قواعد عرفية أساسها القواعد الشرعية”، أي أنها لا تختلف مع الشريعة، وهي اجتهاد في المعاملات والعادات والتقاليد.

 

بنظرة موضوعية وثاقبة فإن الناس سابقا لم يعيشوا حياة من الفوضى دون شرائع وقوانين سنّها المجتمع، وكان لديهم قواعد وتم تهذيبها مع الزمن مثلما حدث مع الأجيال في العصور الحديثة، كما تم تهذيب بعض القواعد والعادات والتقاليد مع دخول الإسلام بما يتناسب مع الشريعة الإسلامية.

 

كان القضاء العرفي موجودا بطريقة أفضل في فترة قبل الثورة، ولكن نشط بعد الثورة في بعض الأمور، وكان هناك انضباط نفسي وكان هناك قيود الكرامة، والقاضي يساير الواقع بقدر من الحكمة، وكان شرف الكلمة أفضل من الورق المكتوب، وفي الوقت الحاضر يتم التعامل مع المتخاصمين بالورقة والقلم ومع ذلك يحدث خلل.

 

* ما “الوثاقة” و “التشميس”؟ ولماذا انتشرا بكثرة بعد الثورة؟

انتشرت “الوثاقة” أو بالمفهوم المحلي “التوثيق” بعد ثورة يناير بكثرة مبالغ فيها وذلك بسبب خلل في السيطرة الأمنية في ذلك الوقت، واستفاد منها الأشخاص غير الأسوياء، ويقوم بالوثاقة أحد طرفي الخصومة في أخذ الشيء المادي من الطرف الآخر، ضمن قاعدة مبنية قديما بمثابة “الحجز التحفظي”، وهي وسيلة ضغط لأصحاب الحقوق ضد خصمهم لإجبارهم وإخضاعهم في التماثل لجلسة الحكم أو تنفيذ إجراءات الحكم ورد الحقوق.

 

وكان في العرف قديما تؤخذ الوثاقة من الإبل، ولما تطورت الأجيال حديثا أصبحت السيارات، ويتم التحفظ على هذا الشيء المادي وإيداعه كما هو عند شخص أمين، ولا يحق له استخدامه، كما يتم إخطاره بأن هذا الشيء يخص “فلان” أي الخصم الآخر، لحين الجلوس في جلسة الصلح.

 

“التشميس” وهو يعني الخروج أو الطرد من الظل إلى الشمس، كان في القديم حالات الخروج عن قواعد وقوانين المجتمع قليلة جدا إن لم تكن نادرة، وكان الهدف من التشميس شيئان مصلحة المتشمس ومصلحة “المجتمع” في أن يدرك المجتمع ضرورة عدم التعامل مع هذا الشخص وعدم الرجوع إلى أهله، حيث يتم الإبلاغ من خلال أشخاص أمناء في العائلة بمرورهم على مجالس الرجال في الدواوين وغيرها، ويتم خلالها الإعلان عن تشميس ابن عائلتهم، مع تحديد سبب التشميس في أنه يتعامل معاملات غير سوية وغير راضين عنها، ويكون هناك كفيل شاهد لهذا الأمر، ولا يمتثل للقضاء لأنه ليس له ظهير قبلي.

 

وبعد فترة يجد نفسه – المُشَمَّس – في وحدانية بدون مظلة قبيلة أو عائلة وجميع الناس لا يريدون التعامل معه، مما يضطره إلى البحث عن وسيلة للرجوع إلى أهله وقبيلته والامتثال لقوانينها، وهو كان نوعا من أنواع التهذيب، ولكن ليس “شتيمة” أو إساءة.

 

وهو خروج الشخص عن العادات والتقاليد بأسلوب سيئ يتنافى مع المجتمع، والتشميس ليس معناه إهدار دم، وإنما الغرض منه التهذيب، وكانت لهم فلسفة تهذيب في الحياة، وعندها يتم التوقف في التعامل معه في جميع المعاملات “زواج وتجارة وشراء، وقيود مشددة” وكانت عمليات التشميس نادرة، حينها يسعى الشخص إلى العودة إلى قبيلته والاعتذار لها والامتثال لأوامرها، ويسير في ركب الإصلاح والصلاح.

 

* كيف يتعامل القضاء العرفي مع الأشخاص الذين يتصيدون الأخطاء للغير وتحويلها لجلسة حكم والتي انتشرت عقب ثورة 25 يناير؟

كانت نزوات فردية بغرض الارتزاق منها، وانتشرت هذه الظاهرة بعد الثورة في فترة وجيزة وسرعان ما انتهت، وكانت ظاهرة مؤقتة ومحددة في أشخاص معينين، وانتهت هذه الظاهرة بعد سيطرة الأمن على المحافظة، كما أن القائمين على شئون الأمن لهم دور في السيطرة على هذه الأفعال السيئة.

 

 * هل يوجد قاضٍ مخصص مكلّف للحكم في قضايا الدم؟

يرجع أصل هذا الموضوع إلى القبائل قديما عندما كانوا يقومون بتقسيم القضاة فيما بينهم، وذلك بسبب أن عدد القضاة كان محدوداً، لذلك تمت تسمية القضاة إما قاضي الدم أو قاضي الزروع أو قاضي الإحالة، وغيرهم، أما مسمى قاضي الدم كان لظروف محسوبة في تاريخهم القبلي، حيث إن اللقب لقاضي الدم جاء بالطبع في وقت كان للقبيلة سيف مرفوع في وقت سابق، ولهذا فيكون لقاضيها تقدير دقيق للحكم في قضايا الدم، كان هذا قديما، والآن أصبح أي قاضٍ عرفي لديه نباهة وثقافة ووعي وتوفيق من الله، يمكنه الحكم على القضية بما يتناسب مع علمه وإدراكه لمستجدات المجتمع.

 

* هل تندرج “البِشعة” ضمن القضاء العرفي؟ وهل تتوجهون لها في بعض القضايا؟

لم أوجه لها أي قضية من جانبي نهائيا، ولم أحضر أي جلسة لها، ولم ألتقِ بشخص مُبَشِّع، ولكن في تحليلي الشخصي أنها كانت نوعا من أنواع الترهيب بفنية خاصة من المُبَشِّع وليس الإشراك، وهي شيء خاص بعيدا عن القضاء العرفي، وهي تشبه الأدلة الجنائية في الوقت الحالي، والمبشع في وقت سابق أو الآن لم يبدأ في إجراءات البشعة إلا بعد تفويض المتخاصمين في صلح من تقريب وجهات النظر وكل الإجراءات اللازمة.

 

* هل القضاء العرفي مكتوب أم هو محفوظ في الصدور؟

هو في الأصل محفوظ في الصدور، مثل أي شيء آخر قديما، حيث كانت الكتابة قليلة جدا، وبالفعل خلال السنوات الماضية استطعت تأليف كتاب شامل عن القضاء العرفي في شبه جزيرة سيناء، كما أنه خلال الخمسين سنة الماضية تم تحرير قواعد القضاء العرفي وأحكامه، وخلالها تبين أن مفهوم الأجيال الماضية مختلف بعض الشيء عن مفهوم الوقت الحالي، كما أنه يحتاج إلى ممارسة مستمرة، وبفضل الله كنت من ضمن المؤلفين الذين كتبوا عن القضاء العرفي، وبالطبع ستجد الأجيال الجديدة أمامها مادة مكتوبة ودسمة، ستكون لهم مرجعية وعونا في تطبيق أحكامهم، بالإضافة إلى أن هذا العمل يحتاج إلى ممارسة أكثر من أن يكون تطبيقا للقواعد المكتوبة، وهي مثل أي مهنة، يجب أن تكون محبا لها ومحبا للإصلاح، وتحتاج فترة من الخبرة، ويسبقها توفيق من الله مع جزء من الموهبة، وهي عطاء من الله، بالإضافة إلى إخلاص الشخص القاضي، ولا يكون مجال ارتزاق، لأن هذا المجال مُغرٍ.

 

* هل هناك تعاون بين القضاة العرفيين في القضايا؟ وهل يتم استشارة خبراء أثناء القضية؟

بالطبع أستشير أهل الاختصاص، سواء كان قاضيا أو غير قاضٍ، في الأشياء المستجدة التي لا أعلمها، أو الأمور التي تحتاج إلى خبراء، لأن أهل التخصص يُستشارون دائما وخاصة في الأمور الفنية حتى يخرج الحكم مُرضيا لله تعالى وللمجتمع، وعلى سبيل المثال، هناك مشكلة حدثت بين صيادين في البحر، ففي هذه الحالة أنا لم أخض في هذا الموضوع، لذلك يجب عليّ أن أستشير أشخاصا لهم دراية وصدق وصلاح وأهل ثقة في هذه المعاملات الفنية، ولا يمكن للقاضي أن يجمع بين كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى