بني ذي النون.. قبيلة عربية صنعت مجد طليطلة في عصر الطوائف

أسماء صبحي – لم تكن الأندلس ساحة حضارية فقط بل كانت أيضًا ميدانًا لتنافس القبائل العربية التي هاجرت إليها مع الفتوحات الإسلامية. حيث تحولت بعض هذه القبائل إلى قوى حاكمة لعبت أدوارًا بارزة في السياسة والعسكر والثقافة. ومن بين هذه القبائل البارزة يبرز اسم بني ذي النون تلك القبيلة التي تمكنت من بناء واحدة من أقوى وأشهر ممالك الطوائف وهي مملكة طليطلة.
جذور بني ذي النون
ينحدر بنو ذي النون من أصول عربية يمنية وتعود جذورهم إلى قبيلة الخزرج الأنصارية التي كان لها حضور قوي في التاريخ الإسلامي منذ عهد الرسول ﷺ. وبعد انتقال بعض فروعها إلى شمال إفريقيا مع الفتوحات الإسلامية استقرت في الأندلس. وهناك أعادوا تشكيل نفوذهم وأصبحوا من كبار زعماء المنطقة الوسطى لشبه الجزيرة الإيبيرية.
الاستقرار في طليطلة
كان استقرار ذي النون في منطقة طليطلة (توليدو حاليًا) نقطة تحول بارزة في مسيرتهم. فهذه المدينة التي كانت مركزًا إستراتيجيًا وسياسيًا في قلب الأندلس. أتاحت لهم فرصة ذهبية للتحكم في طرق التجارة والزراعة وإدارة التحالفات العسكرية. ومع ضعف الدولة الأموية في قرطبة وسقوط الخلافة لاحقًا تمكن بنو ذي النون من إعلان استقلالهم بحكم ذاتي وتحويل طليطلة إلى مملكة قوية.
مملكة الطوائف وبروز القوة
مع بداية عصر الطوائف في القرن الحادي عشر الميلادي، ظهر نجم ذي النون بشكل أوضح. فقد أعلنوا استقلالهم بحكم طليطلة وأسسوا مملكة امتدت حدودها لتشمل مناطق واسعة من وسط الأندلس. وكان أبرز حكامهم المأمون بن ذي النون الذي يُعد من أشهر وأقوى أمراء الطوائف إذ عرف بدهائه السياسي وعلاقاته الواسعة سواء مع المسلمين أو حتى مع بعض الممالك المسيحية. مما جعله قادرًا على الحفاظ على مملكته لعقود طويلة.
ازدهار طليطلة في عهدهم
شهدت طليطلة في عهد بني ذي النون نهضة كبيرة على المستويات كافة. فقد أصبحت مركزًا ثقافيًا بارزًا يستقطب العلماء والشعراء والأطباء كما عرفت بازدهار مدارس الترجمة التي لعبت دورًا كبيرًا لاحقًا في نقل العلوم العربية إلى أوروبا اللاتينية. كما تميزت المدينة في تلك الفترة بقوة تحصيناتها العسكرية ومعمارها الإسلامي المميز.
السقوط أمام القوى المسيحية
رغم قوتهم، لم يتمكن بنو ذي النون من الصمود طويلًا أمام الضغوط المتزايدة من الممالك المسيحية في الشمال خاصة مملكة قشتالة. ففي عام 1085م سقطت طليطلة بيد الملك ألفونسو السادس وكان ذلك أحد المنعطفات الكبرى في تاريخ الأندلس. حيث شكّل بداية التراجع الكبير للحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.
وقال الدكتور محمد عبد اللطيف، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة القاهرة، إن قبيلة بني ذي النون لعبت دورًا محوريًا في تاريخ الأندلس. فهي لم تكن مجرد قوة عسكرية محلية، بل أسست مملكة حملت هوية سياسية وثقافية مستقلة. ومثلت مملكة طليطلة تحت حكمهم أحد أهم المراكز الحضارية في أوروبا في ذلك العصر، وكان لسقوطها عام 1085 أثر مدوي أدى إلى تسارع الانهيار الإسلامي في الأندلس.



