حوارات و تقارير

الموروث الشعبي الفلسطيني بين الأصالة والمعاصرة

التراث والهوية الفلسطينية

حاتم عبدالهادى السيد

يحكون في بلادنا، يحكون في شجن
عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن
كان اسمه، لا تذكروا اسمه
خلوه في قلوبنا، لا تدعوا الكلمة
تضيع في الهواء كالرماد
خلوه جرحاً زاعقا لا يعرف الضماد
طريقه إليه.

“محمود درويش”

ربما كان من الأجدر بنا ونحن نتباحث في الموروث الشعبي الفلسطيني أن نبدأ بأبيات من قصيدة “وعاد في كفن” للشاعر الفلسطيني “محمود درويش” حتى يمكن لنا أن نوصل الماضي بالحاضر ونستشرف لآفاق المستقبل للأمة الفلسطينية المناضلة.

وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي الآن يحاول طمس الهوية والتراث الخالد للشعب الفلسطيني وذلك بمحاولاته الخبيثة لضم “جبل داود” ضمن التراث اليهودي في خريطة الأمم المتحدة فإننا لذلك ندرك مدى أهمية البحث في الموروث الشعبي لدولة فلسطين المحتلة، وذلك في محاولة منا لإظهار الهوية للفلسطينيين، ولإظهار تراث قيم تزور حالياً من أجل تثبيت دعائم الصهيونية العالمية.

وأزعم أن البحث في الموروث الفلسطيني لابد وأن يتناول قضية الأصالة والمعاصرة كنتاج حتمي تقضيه الضرورة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للحالة التي أصبحت عليها الدولة لفلسطينية الآن.

فلسطين عبر التاريخ

معلوم أن فلسطين تشتهر بالزراعة، ولعل أول ثورة زراعية ابتدأت في مدينة أريحا في الألف السادس قبل الميلاد ـ كما يقول ج برونوفسكى [2]: تلك المدينة الفلسطينية التى تحكى قصة الاستقرار البشري منذ العصر النيوليش Neolithictimes (8: 5) آلاف سنة قبل الميلاد) وهي مرحلة الانتقال الثقافي في عصر الجمع والالتقاط والصيد إلى مرحلة الاستقرار وإنتاج المزروعات الغذائية وصناعة الطعام.

ومما يورده لنا “سليم عرفات المبيض” [3] فى كتابه “الحصيدة في التراث الشعبى الفلسطيني”: أن عالم الآثار الأمريكى روبرت براد وود ” قد أورد بأن سكان أريحا زرعوا الحبوب ودجنوا الحيوانات، كما تغزل بها الوزير الفرعونى “سنوهى” في قصته الشهيرة عندما قدم للبلاد فى القرن العشرين قبل الميلاد 1961 ق. م يقول: كان فيها الشعير والقمح وماشية من جميع الأنواع ولا يحصرها العد [4].

الموروث الفلسطيني والتراث الشعبي

ولعل الهدف من إبرادنا مثل هذه المقتطفات أن ندلل على أصالة فلسطين كأرض ملك للفلسطينيين، وليست أرضاً للمعاد كما يذكر أصحاب برتوكولات حكماء صهيون، وعلى رأسهم تيودور هرتزل، ولقد انتشرت الأغاني الشعبية التى تعبر عن الطموحات السياسية وتفصح عن الأحوال الاقتصادية التى مارسها البريطانيون بالأظافر الصهيونية، ومنذ أن سافر الحاج/ أمين الحسينى ـ رحمه الله ـ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين وقائد كفاحها ومفتي ديارها المقدسة، حيث سافر إلى برلين سنة 1941 ليقابل “هتلر” لمطالبته بمنع تدفق هجرة اليهود الألمان لفلسطين، وفى هذا المقام أنشد الشاعر أمين الخلاص قصيدته الشعبية الشهيرة، ذاكراً الرحلة ومندداً بالممارسات الصهيونية لليهود والألمان يقول [5]:

بابورى رايح وبابورى جاى = = = = وأنا اللى قاعد وحدى حزين
بابورى رايح على برلين = = = = = جايب لى هدية من الحاج أمين
الله يجيبه على فلسطين = = = = = وإحنـــــــا منه ممنونين
يا حاج أمين شوف ها الحالة == = = = من بعد القمح أكلنا نخالـة
تعالى وهدى ها الحالة = = = = = وإحنـا منك ممنونيــــــن
يا حاج أمين شوف ها العيشة = = = مــن بعد القمح أكلنا جريشـة
تعالى وهدى هـــا العيشة = = = = = وإحنـا منـــك ممنونين

المراجع

– Garroting: The Story of Jericho, London 1940.
– S. Toikowsky: The Gateway of Palestine. A History of Jaffa, London 1942.
[1] فؤاد إبراهيم عباس، العادات والتقاليد فى الموروث الشعبى الفلسطينى، مؤسسة العروبة للنشر 1989م.
[2] ح. برونوفسكى، ارتقاء الحضارة، ترجمة د. موفق شخاشيرو، عالم المعرفة 1981م.
[3] سليم عرفات المبيض، الحصيدة فى التراث الشعبى الفلسطينى، الهيئة المصرية للكتاب 1990م
[4] د. أحمد فخرى، دراسات فى تاريخ الشرق القديم، الأنجلو المصرية، 1984م.
[5] على الخليلى، أغانى العمل والعمال بفلسطين، منشورات صلاح الدين، القدس، وانظر فى هذا سليم عرفات، مرجع سابق، 158 : 159.
[6] على الخليلى، أغانى العمل والعمال بفلسطين، منشورات صلاح الدين، القدس، وانظر فى هذا سليم عرفات، مرجع سابق، 158 : 159.
[7] فؤاد إبراهيم عباس، مرجع سابق 51 : 75.
حاتم عبدالهادى السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى