تاريخ ومزارات

هزيمة العثمانيين على أبواب فيينا: نهاية حلم التوسع

في أوج قوتها وسعيها الدائم للتوسع، وضعت الدولة العثمانية نصب عينيها الوصول إلى قلب أوروبا، حيث وقفت فيينا كرمز للهيبة النمساوية ودرع الإمبراطورية الرومانية المقدسة، تلك المدينة لم تكن مجرد هدف عابر، بل كانت حلما استراتيجيا ضمن رؤية طويلة المدى للسيطرة على القارة، ومع ذلك، واجهت هذه الطموحات مقاومة شرسة وانتهت في واحدة من أكثر المعارك حسما في التاريخ، وتحديدا في المحاولة الثالثة للسيطرة على المدينة في الثاني عشر من سبتمبر عام 1683.

البدايات الأولى بين الطموح والتحدي في عهد سليمان القانوني

منذ القرن السادس عشر، سعت الدولة العثمانية لفرض وجودها على فيينا، ففي عام 1529 خرج السلطان سليمان القانوني، الذي عرف بحكمته وقوته، على رأس جيش ضخم بلغ قوامه مئة وعشرين ألف جندي، مدعوما بثلاثمئة مدفع، هدفه فتح المدينة وتسجيل انتصار ساحق، لكن الطبيعة لم تكن رحيمة، إذ أعاقت الطرق الوعرة والأمطار الغزيرة تقدم الجيش، فيما صمدت دفاعات المدينة بقوة، فاضطر الجنود للعودة محملين بخيبة الأمل، ثم في عام 1532 حاول الجيش من جديد، غير أن العوامل المناخية القاسية وقفت سدا منيعا، لتنتهي المحاولة قبل أن تبدأ فعليا، ومع كل محاولة، ترك الفشل أثره العميق في نفوس القادة والجنود.

بحلول عام 1683، تولى الصدر الأعظم قره مصطفى باشا قيادة الحملة الكبرى نحو فيينا، مع جيش تجاوز تعداده مئة ألف مقاتل، بدأ الحصار وظن العثمانيون أن النصر قريب، خاصة مع اتساع رقعة النفوذ العثماني في أوروبا، لكن الظروف الطبيعية تكررت، واضطر القادة إلى ترك المدفعية الثقيلة في المجر بسبب وعورة الطرق وهيجان الطقس، ففقدوا بذلك أحد أهم أسلحتهم، في المقابل صمدت دفاعات فيينا تحت قيادة الكونت إرنست روديجر فون شتارمبرغ، وتصاعد التوتر مع ازدياد الحصار قسوة

في تلك اللحظات الحرجة، توحدت قوى أوروبية عدة، منها الإمبراطورية الرومانية المقدسة وبولندا والدول البابوية، وانطلقت باتجاه فيينا لإنقاذها، وفي صباح الثاني عشر من سبتمبر قاد الملك البولندي يوحنا الثالث سوبيسكي قواته الخيالة في هجوم خاطف، اجتاح به صفوف العثمانيين ومزقها، وجد قره مصطفى نفسه مضطرا للانسحاب، محاولا الحفاظ على ما تبقى من جنوده، لكنه حمل معه خيبة هزيمة لن ينساها التاريخ

ما بعد الهزيمة بداية سقوط الإمبراطورية

لم تكن الهزيمة أمام فيينا مجرد فقدان معركة، بل كانت بداية لانحدار مستمر، أعقبها تشكل الحلف المقدس بقيادة البابا إينوسنت الحادي عشر، الذي ضم في صفوفه النمسا وبولندا وروسيا والبندقية ومالطا، هذا التحالف لم يكتف بالدفاع، بل استعاد العديد من المناطق مثل المجر وترانسيلفانيا، وكانت كل معركة لاحقة بمثابة طعنة جديدة في جسد الدولة العثمانية.

وفي عام 1699 وقعت الدولة العثمانية معاهدة كارلوفيتز، التي أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة في أوروبا، لتكون تلك المرة الأولى التي تتراجع فيها حدودها رسميا، ولتبدأ معها مرحلة جديدة من التاريخ، إذ تحولت من قوة مهاجمة إلى أمة تقاتل للبقاء، وبدأ بريقها يخفت تدريجيا.

نهاية مرحلة وبداية تحولات كبرى

كان حصار فيينا نقطة مفصلية في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب، لم يتوقف عند حدود السياسة أو الجغرافيا، بل ترك أثرا عميقا في موازين القوى، تراجعت الدولة العثمانية، وبدأت أوروبا تتماسك وتستعيد مكانتها، متحدة ضد ما كانت تعتبره تهديدا وجوديا، وصف المؤرخ أندرو ويتكروفت هذا الحدث بقوله إن فيينا كانت الذروة التي بلغها التوسع العثماني، ومنها بدأ التراجع والاضمحلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى