المزيد

الدولة الحمدانية في الموصل وحلب 

الدولة الحمدانية في الموصل وحلب

 

يرتبط إسم هذه الدولة كثيرا بأشخاص بارزين و أحداث دامية أليمة وأخرى جميلة رائعة دوما هي في وجدان الأمة لا تنقص ولا تتبدد ذكراها !!

 

و أول مايتبادر إلى الأذهان عند ذكر اسمها ؛ هو شخصية الفارس البطل و الأديب و الشاعر العربي الأمير سيف الدولة على بن حمدان .. ولن تستطيع أن تذكره دون ذكر شاعره المقرب أبي الطيب المتنبي الذي مايزال حيا في أدبياتنا و كتبنا المدرسية و في ألسنة العامة والخاصة .. و الحق أن شهرة هذه الدولة و بطلها سيف الدولة و حتى أحداثها و أعداءها مدينون لأشعار المتنبي بخلودها و حضورها ..

 

وثالث من سيلازمهما ذكره هو الفارس الشهم والشاعر صاحب العاطفة الجياشة و البطولات أبو فراس الحمداني إبن عم سيف الدولة .. ورابعهم هو عدوهم اللدود الإمبراطور البيزنطى نيقفور الثاني أو (نيقفوروس فوكاس ) ..

 

لقد جمع بلاط سيف الدولة جمعا جما غنيا من كبار الأدباء و نوابغ العلماء و أهتم بالثقافة و العلوم أيما اهتمام حتى صارت حلب في زمانه محط أنظار العالم المتطلع للرقي والتحضر …

وليس أدل على ذلك ؛ من أن نيقفور البيزنطي أعجب بما يدور في ندوات سيف الدولة و حاول أن يقلده فألف قصيدة يهجو بها الخليفة العباسي و الإسلام و المسلمين؛ ويتوعدهم فيها و يفخر بجرائمه التي يرتكبها بحق مسلمي الثغور ! و قد ترجمها له شعرا بالعربية بعض المستعربين الأرمن ..

 

ومن الأحداث البارزة التي ستصاحب ذكر هؤلاء هو حصار حلب و تدميرها و نهب كل مافيها و إحراق قصر سيف الدولة من قبل البيزنطيين ..

 

إن ذكريات القرن العاشر الميلادي أليمة الوقع على الأمة الإسلامية خاصة في منطقتنا العربية .. ففي ذلك القرن تحديدا ولدت فكرة الحروب الصليبية لأول مرة ؛ و ماكانت غارات و غزوات البيزنطيين الغاشمة وعملياتهم العسكرية الإنتقامية المتوالية ؛ على ثغور و أقاليم الخلافة العباسية و احتلالها و نهبها و تدميرها ؛ إلا حربا صليبية مبكرة كما يقول أصحاب التواريخ .. ولولا نهضة السلاجقة في القرن التالى له و دحرهم البيزنط إلى حدود البسفور و بحر مرمرة ثم لم يعودوا حتى زوال دولتهم و سقوط القسطنطية ؛ و لولا قضاؤهم على البويهيين لأكلت الروم الخلافة و لابتلعت منطقة الشرق الأوسط كاملة .. ناهيك عما كان سيحدث فوق ما جرى في القرون الثلاثة التالية من حملات أوربا الصليبية و اجتياح المغول ..

 

ولقد شهد ذلك القرن سقوط هيبة الخلافة العباسية و دخولها في طور من الضعف الشديد و الوهن ؛ بالخضوع للبويهيين الشيعة الفرس ؛ الذين سيطروا بالكامل على مقاليد الأمور و بات منصب الخليفة العباسي مجرد منصب شرفي ؛ لا يتجاوز حكمه حدود حديقة قصره !!

 

على الجانب الآخر من العالم الإسلامي كانت دعوة المهدي عبيد الله المسمى زورا بالفاطمي قد انتعشت و صارت دولة قوية تنافس الخلافة العباسية و تهددها بالزوال و القضاء على المذهب السني .. وكان القرامطة في الوقت ذاته ينخرون في جسد الأمة و يعيثون فسادا في العراق و الجزيرة و الشام ..

 

لقد حوصرت الخلافة العباسية تماما من جهات أربع !! و تجرأ الروم البيزنط بهذه الدرجة الفجة و القبيحة على الخلافة مهددين بتدميرها و محوها من الوجود .. و كانت الخلافة عاجزة مكبلة لا تستطيع الرد و لا حتى الدفاع بأية حال لانفصال أقاليمها و سيطرة بنى بويه على مركزها ؛ وهم لم يشهروا سيفا في وجه الروم ولم يجاهدوا عدوا و انصرفوا لجمع المال و التمتع بالثروات وقمعوا أهل السنة على حد قول المؤرخين ..

 

في تلك الأوقات العصيبة برز من بين هذا الضباب الكثيف و من غمار هذه المحن ؛ سيف براق يلمع ويخيف البيزنط على قوتهم ؛ و يحاول بكل ما أوتي من قوة أن ينافح عن الخلافة العباسية ؛ و أرومة العرب و الإسلام ..

إنه سيف الدولة العباسية على بن حمدان .

——————————————————————-

 

🔹 ️الدَّولَةُ الحَمَدَانِيَّةُ أو الإِمَارَةُ الحَمَدَانِيَّةُ أو دَوْلَةُ بَني حَمدَان، هي إمارة إسلاميَّة شيعيَّة ؛ أسَّسها أبو مُحمَّد الحسن بن أبي الهيجاء الشهير بِلقب «ناصر الدولة» في مدينة الموصل بِالجزيرة الفُراتيَّة، وامتدَّت لاحقًا باتجاه حلب وسائر الشَّام الشماليَّة وأقسامٌ من جنوب الأناضول ..

 

دامت هذه الدولة ثلاثا و سبعين سنة فقط من سنة 930 م إلى سنة 1003م …

 

وتنحدر الأسرة الحمدانية من أصل عربي صميم ، هو قبيلة تغلب ، التي يعود نسبها إلى وائل بن قاسط بن هنب بن أفعی بن دعي بن جديله بن اسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان …

 

ومن بطون تغلب : بنو مالك بن بکر بن حبیب ، وانحدر من صلب أسامة بن مالك : حمدان بن حمدون جد الأمراء الحمدانيين ، ومنهم كذلك بنو شعبة بالطائف وبنو حمدان بالموصل .

 

ولقد كانت ربيعة من أصل يماني كبقية القبائل العربية الأخرى قد هاجرت إلى الشمال بحثا عن الكلأ والمرعی ، فاتجهت في سيرها نحو الشمال ، حتى استقرت في هضاب نجد والحجاز وتخوم تهامه فكان لهم ولرعي انعامهم ما ارادوا من السهل والجبل ..

 

الا ان ربيعة ما لبثت ان انقسمت على نفسها ودب فيها الشقاق ، مما أدى إلى ضعفها وتفرق بطونها ، فنجد أن بكر وتغلب انفصلتا عن ربيعة ، وعاشتا في نجد جارتين متسالمتين تحت راية كليب وائل بن ربيعة ، حتى وقعت بينهما حرب البسوس، في منطقة نجد في مستهل القرن الخامس الميلادي..

 

واستمرت هذه الحرب فترة طويلة، وكان الانتصار دائما لتغلب ، إلا أنه بنهاية الأمر هزمتها بكر ، فانتشرت مع حلفائها باليمامة والبحرين وأطراف العراق ،حتى نزلوا شمال الجزيرة الفراتية . وفي نفس الوقت بدأت تغلب تتجه نحو الشمال الى اطراف الجزيرة الفراتية ، ، وما أن ظهر الاسلام حتى كانت قد استقرت في المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم ديار ربيعة .

——————————————————————‐

🚩 سيف الدولة الحمداني في مواجهة نيقفور فوكاس

و صليبية القرن العاشر .

 

وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ

كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ

 

تَمُرّ بكَ الأبطال ُ كَلْمَى هَزيمَةً

وَ وَجْهُكَ وَضّاحٌ وَ ثَغْرُك َ باسِمُ

 

تجاوَزْتَ مِقدارَ الشّجاعَةِ و النُّهَى

إلى قَوْلِ قَوْمٍ أنتَ بالغَيْب ِ عالِم ُ

 

كان سيف الدولة ( أي الدولة العباسية ) الحمداني في ذلك الزمن في منتصف القرن العاشر الميلادي .كان هو القوة الوحيدة في دولة العباسيين القادرة على مواجهة أحقاد و اعتداءات البيزنطيين على الإسلام و بلاد المسلمين ..

و لابد لنا من مراجعة ماقبل ذلك التاريخ العجيب !!!

 

فبسقوط الدولة الأموية سنة 132هـ , وانتقال الحكم إلى العباسيين .. تسلم المسؤولية عدد من الخلفاء اتسمت سياستهم بالقوة والعنف فأمسكوا بمقاليد السلطة معتمدين بذلك على تأييد العامة من المسلمين الذين كانوا يتوقعون حكما جديدا اكثر وعيا وعدلا وحكمة ؛ وكان الجيش أيضا متماسكا يضمر كامل الولاء لهم ؛ وكان ذلك الرعيل الأول من بني العباس قيادات تمتاز بالحنكة والمرونة والدهاء .

 

وبفعل هذه المعطيات استطاع الخلفاء (السفاح , والمنصور .. والرشيد.. والمأمون ..ثم المعتصم )

 

استطاعوا أن يجهضوا كل الانتفاضات التي انطلقت من الحجاز والشام وغيرها بأساليب ربما قاسية جعلت كل ثائر طامع أو متطلع ؛ يتريث قبل الإقدام على أية خطوة سلبية و قد وقف البيزنط عند الخط الذي رسمه لهم العباسيون لا يجاوزونه؛ و حتى لما تطلع ثيوفلس إلى توجيه بعض الضربات للثغور العباسية على حدودة أدبه المعتصم بتدمير أنقرة و عمورية مسقط رأسه ..

 

وعلى هذا الأساس كانت بغداد العاصمة تمثل المركز الذي ترتبط به كل حواضر العالم الاسلامي باستثناء الأندلس التي بقيت أموية الحكم والانتماء ، وكانت الدولة المركزية في بغداد تتولى مسؤولية حماية الثغور الاسلامية من اعتداءات الروم البيزنطيين .

 

ثم سيطر قادة الجند الأتراك فترة من الزمن على الخلافة وتنافسوا على مراكز الوزارة .وما يستتبع ذلك من نزاعات وحروب ..كل ذلك أدى إلى إهمال ما يجري خارج إطار العاصمة العباسية , مما ولد نتائج سلبية قضت على تماسك الدولة وتوازنها .

 

و نتج عنه أيضا أ ن بعض الولاة في الأمصار رأوا أن المصلحة تقضي بتدبير شؤونهم بأنفسهم , فأعلنوا استقلالهم بولاياتهم وانطلقوا يوسعون دائرة نفوذهم على حساب السلطة المركزية في بغداد ؛ وبذلك كانت ولادة الدولة الطولونية ثم الاخشيدية .. و اتيحت الفرصة لدعوة الباطنية القرامطة و العبيديين .

 

وكانت النتيجة الأسوأ من ذلك ان الروم البيزنطيين تحولوا من سياسة الدفاع إلى الهجوم ,فاندفعوا يغيرون على الثغور الاسلامية فيسلبون وينهبون ويقتلون ويسبون ويهدمون ويحرقون المزروعات …

 

ففي سنة 313 كتب ملك الروم الى أهل القرى والمدن الحدودية يأمرهم بحمل الخراج إليه فرفضوا فسار اليهم وأخرب البلاد, ودخل “ملطية” فأخربها وسبى منها ونهب .. ولمارأى أهل ملطية ما حل بقراهم قصدوا بغداد مستغيثين فلم يغاثوا وعادوا بغير فائدة ..

 

🔹و في هذا الجو السياسي المكفهر ولدت الدولة الحمدانية على يد ” أبي الهيجاء الحمداني ” الذي عينه الخليفة المكتفي واليا على الموصل سنة 293هـ .

 

ولكن أبا الهيجاء لم يول حكم الموصل عنايته الكلية بل اهتم بمشاكل وهموم الخلافة العباسية ؛ فشارك بحروب ضد الخوارج والقرامطة وبعض الطامحين الى مواقع السلطة في الحكم العباسي ؛ لذلك اضطر أن يقضي معظم وقته في بغداد ويترك ابنه الحسن نائبا عنه في إمارة الموصل الذي اعتبر الباني الفعلي للدولة الحمدانية حيث أنعم عليه الخليفة بلقب ” ناصر الدولة”

 

و في هذه الأثناء كانت إمارة حلب تعيش حالة من الاضطراب والفوضى فقد تعاقب على حكم حلب في فترة قصيرة عدد من الحكام المتشاحنين كانت المنطقة هناك تتعرض بين حين وآخر لغارات مدمرة من الروم البيزنط مما اثار شعورا قويا عند الناس بالحاجة الى قائد قوي .

 

👌 هذا الواقع السيء دفع ببعض العقلاء من الزعماء الاتصال به ودعوته لتسلم حكم حلب و كان هو أيضا متطلعا إلى ذلك .

فاستجاب سيف الدولة لهذه الدعوة ودخل حلب دون مقاومة سنة 333هـ .

 

وهناك عايش مرارة الأطماع و الاهداف الحقيقية للدولة البيزنطية .. مع ظهور روح صليبية توسعية دعاها المؤرخون باسم ” صليبية القرن العاشر الميلادي ” ..فأخذوا يتحفزون لغزو واسع للبلاد الاسلامية وإعادة أمجاد هرقل والرومان الى الشرق .

 

🔹 و انطلاقا من وعي وفهم ما يجري في الساحة وما يخطط لها وضع سيف الدولة خططه التي ركزت على ميدانين:

 

🔽 الميدان الأول : توحيد الجبهة الداخلية :

 

رأى سيف الدولة ان الدعامة الاساسية لاستقرار الحكم هي في : تأييد القاعدة الشعبية لاهدافه ( أي الحكم ) وتوحيد الجبهة الداخلية وتجنيد كل الطاقات المادية والمعنوية لمواجهة الخطر الصليبي الداهم .

 

فبالرغم من كونه شيعي المذهب والانتماء ومع ان هذا الاتجاه قد انتشر في أوساط الناس بشكل واسع…

فقد كرس سيف الدولة جهودا كبيرة من اجل توحيد الموقف الاسلامي العام فأشاع الحرية الدينية وعامل الجميع بالتساوي فلا فرق بين سني وشيعي …

لا في الحقوق ولا في الواجبات …

 

وبفعل هذه السياسة المرنة لم تشهد حلب في ايامه أية منازعات مذهبية كتلك التي كانت تجري آنذاك في شوارع بغداد وغيرها .

 

ولقد تمثل تسامحه الديني هذا بأن عيّن الفقيه الحنفي أحمد بن اسحق ( الملقب بأبي الجود ) قاضيا على حلب .

 

ولم يقتصر اهتمام سيف الدولة على توحيد الموقف الاسلامي فقط … بل انسحب ليشمل أتباع الديانات الاخرى من يهود ونصارى من أجل ان يكسب ولاءهم ويحول دون تعاونهم مع العدو البيزنطي المجاور ..فعاشوا في ظلال حكمه حياة آمنة مستقرة فأقاموا في مزارعهم ومنازلهم الريفية وتمسكوا بتقاليدهم الثقافية وحافظوا على لغاتهم الاصلية الآرامية والسريانية .

 

🔽 الميدان الثاني : مواجهة الخطر البيزنطي :

 

وحين اطمأن سيف الدولة الى قوة وصلابة الموقف الداخلي أخذ يذكي روح الجهاد المقدس في نفوس المسلمين ، لهدف مواجهة الغزو الصليبي المتكرر على الحرمات والمقدسات الاسلامية .

 

ومن جهة اخرى كان يعد العدة المادية والبشرية وينظم الحملات العسكرية إلى بلاد العدو البيزنطي المتربص على الثغور الحدودية ؛ ولكن مواجهة الروم لم تكن رحلة سهلة وممهدة في ذلك الوقت بالذات .. لأن الدولة البيزنطية كانت قد بلغت أوج قوتها على يد أباطرة أقوياء في تلك المرحلة…

 

وكانت أهدافهم تتمثل فى تعزيز مكانة امبراطوريتهم وتوسيع نفوذها على حساب الأراضي الاسلامية المترامية …

ثم لينطلقوا بعد ذلك إلى انتزاع القدس الشريف من أيدي المسلمين وبذلك يؤكدون زعامتهم على الشرق والغرب معا من جديد .

 

ولكن قوة الاباطرة وعدم التكافؤ في ميزان القوى البشرية والمادية لم تثن عزيمة سيف الدولة عن مواجهة ذلك الخطر الكبير فكانت له جولات ومواقف شجاعة سجلها له التاريخ بأحرف من نور .

 

ومع ان النصر لم يحالفه في كثير من معاركه نظرا لحشود الروم العظيمة ..

فإنه كان رائعا في تصديه و مقاومته ..

 

سنعود مجددا إن شاء الله للحديث المفصل عن نشأة الدولة و تاريخها بعد هذه الفقرة التى هى مقدمة الموضوع

——————————————————————

* الشعر للمتنبي من رائعته : علي قدر أهل العزم ..

#الدويلات_الإسلامية_جواهر الحمدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى