تاريخ ومزارات

شبرا حكاية النيل حين يصنع الارض ويكتب التاريخ

في عمق الزمن، كان نهر النيل يخفي بين مياهه جزيرة صغيرة عرفت باسم جزيرة الفيل، جزيرة هادئة تطفو وسط التيار، ومع كل فيضان جديد كان الطمي يتراكم حولها طبقة بعد اخرى، حتى اقتربت ببطء من الضفة الشرقية، كأن الارض تمد يدها للنهر في مصافحة طويلة، ومع تعاقب السنين التحمت الجزيرة باليابسة، وولدت ارض خصبة صارت لاحقا قلب شبرا وروض الفرج.

جذور الاسم وبداية الحكاية

يرجع اسم شبرا الى اصل قبطي قديم، شبرو او جبرو، ويعني الكوم او التل، وقد ذكر الرحالة القدامى هذا الاسم في كتبهم مثل المقدسي والادريسي، وفي مرحلة لاحقة عرف المكان باسم شبرا الخيام، نسبة الى الخيام التي اعتاد الناس نصبها على شاطئ النيل احتفالا بذكرى الشهيد، فصار الاسم شاهدا على طقس اجتماعي وروحي ارتبط بالمكان.

 محمد علي باشا واعادة تشكيل المكان

لم تعرف شبرا ملامحها الكبرى الا مع ظهور محمد علي باشا، الرجل الذي اعاد رسم خريطة مصر الحديثة. ففي يناير عام 1809، وبينما كانت القاهرة تموج بالصراعات والمؤامرات، اختار محمد علي الابتعاد عن صخب القلعة، واتجه الى ارض واسعة على ضفاف النيل تمتد حتى بركة الحاج، وهناك بدأ يبني قصرا خاصا به.

غرس الاشجار، وانشأ البساتين، واقام فسقية تتدفق منها المياه في قلب القصر، فصار المكان قطعة من الهدوء وسط زمن مضطرب، وعرف القصر بين الناس باسم قصر الفسقية، ليصبح ملاذا يلجأ اليه الوالي هربا من اعباء الحكم وضجيج السياسة.

ولم يتوقف طموح محمد علي عند بناء القصر، بل امر بشق طريق عريض يربط القاهرة بشبرا، وزرع على جانبيه اشجار اللبخ والجميز، فتحول الطريق الى ممر اخضر يمتد من باب قنطرة الليمون حتى القصر، ثم دعا ابناءه واحفاده وكبار الاعيان والباشوات الى تشييد قصورهم على جانبي هذا الطريق، فبدأت شبرا تتحول من ارض زراعية هادئة الى جنة للطبقة الارستقراطية، تعج بالحدائق والقصور والولائم.

شبرا بعد عصر المؤسس

بعد رحيل محمد علي عام 1849، انتقلت بعض السراي الى ابنه عبد الحليم باشا ثم الى احفاده، واستمر العمران في التوسع، وشيد محمد سعيد باشا قصر النزهة، الذي تحول لاحقا الى المدرسة التوفيقية، بينما اقام الامير طوسون باشا سرايه الخاصة، والتي اصبحت فيما بعد مدارس عرفت باسم شبرا الثانوية.

وفي عام 1827، حفر محمد علي الترعة البولاقية لري الاراضي، فصارت شريانا حيويا يغذي المنطقة، وامتدت من قصر النيل مرورا بميدان عبد المنعم رياض، ولا يزال اسمها حاضرا حتى اليوم في لافتات شارع الجلاء الذي عرف سابقا باسم شارع الترعة البولاقية.

ملامح العصر الحديث

مع مطلع القرن العشرين، دخل الترام الى شبرا عام 1902، ليربط شارعها الرئيسي بقلب القاهرة، ثم امتد الى روض الفرج وساحلها عام 1903، فتدفقت الحركة واتسع العمران، وازدادت الكثافة السكانية، وتحولت المنطقة الى شريان يومي للحياة.

وحملت الشوارع اسماء تعكس طبقات التاريخ المتراكمة، فظهر شارع البعثة حيث استقر الرهبان الكاثوليك، وشارع العطار نسبة الى عزبة الحاج محمد هرمس كبير العطارين، ومنطقة السبتية التي ارتبطت باغلاق المتاجر يوم السبت، وشارع طوسون تيمنا بالامير الذي امتلك قصرا في المنطقة، وشارع احمد حلمي تخليدا لاسم الكاتب الوطني وجد صلاح جاهين، وشارع فيكتوريا نسبة الى قصر خليلة امير الجيوش خمارويه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى