جامع القيروان.. منارة العلم والدين التي شكلت هوية المغرب الإسلامي
أسماء صبحي– يعد جامع القيروان المعروف أيضًا باسم جامع عقبة بن نافع، واحدًا من أقدم وأهم المعالم الدينية والأثرية في العالم العربي والإسلامي. وأحد الركائز الأساسية التي تشكلت حولها الهوية الحضارية لمنطقة المغرب الإسلامي. يقع الجامع في مدينة القيروان التونسية التي كانت عبر قرون طويلة مركزًا دينيًا وثقافيًا وسياسيًا مؤثرًا في شمال إفريقيا.
جذور جامع القيروان التاريخية
تعود نشأة الجامع إلى القرن الأول الهجري، عندما أسسه القائد العربي عقبة بن نافع ليكون قاعدة دينية وعسكرية معًا في مرحلة اتسعت فيها رقعة الفتوحات الإسلامية. فلم يكن الجامع مجرد مكان للصلاة، بل كان نواة لمدينة كاملة ومنها انطلقت حركة العمران والاستقرار في المنطقة. مما جعل القيروان إحدى أولى المدن الإسلامية الكبرى خارج الجزيرة العربية.
الدور الديني والعلمي
لعب الجامع دورًا محوريًا في نشر الإسلام وتعاليمه في شمال إفريقيا، كما تحول مع مرور الزمن إلى مركز علمي بارز. احتضن الجامع حلقات العلم، وخرج منه علماء وفقهاء كان لهم تأثير واسع في الفقه المالكي وعلوم الدين واللغة. وقد اعتبر في فترات طويلة بمثابة جامعة مفتوحة يقصده طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
العمارة الإسلامية والهوية المعمارية
يعكس الجامع نموذجًا فريدًا للعمارة الإسلامية المبكرة، حيث يجمع بين البساطة والقوة في آن واحد. ويتميز الجامع بمساحته الواسعة، صحنه المكشوف، وأروقته المدعّمة بالأعمدة الحجرية التي جلب بعضها من مباني رومانية وبيزنطية قديمة. مما يعكس تداخل الحضارات في النسيج المعماري للمكان.
أما مئذنة الجامع، فتعد من أقدم المآذن الإسلامية التي ما زالت قائمة حتى اليوم. وقد صممت على هيئة برج مربع ضخم يعكس الطابع الدفاعي والرمزي في آن واحد. ويبرز المحراب بزخارفه الدقيقة، ألواحه الرخامية، وسقفه المزخرف باعتباره أحد أجمل المحاريب في العمارة الإسلامية.
الجامع كمركز اجتماعي وثقافي
لم يقتصر دور الجامع على الجانب الديني فحسب، بل شكل مركزًا اجتماعيًا وثقافيًا لسكان المدينة. فقد كان ملتقى للأهالي ومكانًا للفصل في النزاعات وتنظيم شؤون المجتمع إضافة إلى دوره في ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية. وجعل هذا التداخل بين الدين والحياة اليومية جعل الجامع عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية الاجتماعية للقيروان.
ارتبط اسم القيروان وجامعها ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المغرب الإسلامي حيث شكلت المدينة قاعدة انطلاق للفتوحات نحو الأندلس ومركزًا للحكم والإدارة في فترات مختلفة. كما لعب الجامع دورًا في ترسيخ المذهب المالكي الذي أصبح السمة الدينية الغالبة في المنطقة. مما منحه بعدًا فقهيًا وفكريًا تجاوز حدود تونس.
التحديات وجهود الحماية
على الرغم من مرور قرون طويلة على تأسيسه، لا يزال جامع القيروان محتفظًا بهيبته ومكانته رغم ما تعرض له من عوامل طبيعية وتغيرات عمرانية. وقد شهد الجامع عدة عمليات ترميم وصيانة هدفت إلى الحفاظ على طابعه الأثري وضمان استمراريته كمعلم ديني وتاريخي بارز في ظل تزايد الاهتمام بالتراث الثقافي العربي والإسلامي.
ويمثل جامع القيروان أكثر من مجرد مبنى أثري؛ فهو رمز لبدايات تشكّل الحضارة الإسلامية في شمال إفريقيا. وشاهد على دور الدين في بناء المجتمعات وصناعة التاريخ. ولا تزال جدرانه وساحاته تحمل ذاكرة قرون من العلم والعبادة والتفاعل الحضاري مما يجعله أحد أهم المعالم التي تختزل تاريخ أمة بأكملها.



