تاريخ ومزارات

قرطاج.. المدينة التي نافست روما وظلت خالدة في ذاكرة التاريخ

أسماء صبحي – على ضفاف البحر الأبيض المتوسط شمال تونس الحالية، تقف أطلال قرطاج كأنها شهادة حية على مجد حضارة بحرية عظيمة. فلم تكن مجرد مدينة قديمة، بل كانت قوة عظمى نافست روما نفسها، وامتدت أمبراطوريتها البحرية عبر سواحل المتوسط. وهي مدينة حملت ملامح الحضارة الفينيقية وصنعت لنفسها مجداً لا يزول حتى وإن تعرضت للتدمير مرات عديدة.

تأسيس قرطاج

تأسست المدينة في القرن التاسع قبل الميلاد على يد الفينيقيين القادمين من صور (لبنان حالياً). ووفقاً للأسطورة، فإن الملكة إليسا (المعروفة باسم ديدو) هي من قادت رحلة التأسيس. واختار الفينيقيون هذا الموقع بسبب موقعه الاستراتيجي المطل على طرق التجارة البحرية، ليكون مركزاً تجارياً وسياسياً مؤثراً.

ومنذ نشأتها، تميزت المدينة بكونها ميناءً ضخماً ومنظماً. حيث تم بناء مرافئ عسكرية وتجارية جعلت منها قوة بحرية يصعب مجاراتها.

القوة البحرية والتجارية

اشتهرت المدينة بقدرتها البحرية الهائلة حيث امتلكت أسطولاً ضخماً مكنها من السيطرة على طرق التجارة بين أوروبا وأفريقيا. وكانت سفنها تصل إلى إسبانيا، جزر البليار، صقلية، وحتى السواحل الأطلسية. ولم يقتصر نفوذها على البحر فقط بل امتدت سيطرتها إلى أجزاء واسعة من شمال أفريقيا مما جعلها من أهم الممالك في العالم القديم.

الصراع مع روما

الشهرة الأكبر لقرطاج ارتبطت بالصراعات الدموية مع روما، والتي عرفت بـ الحروب البونية الثلاثة (264 ق.م – 146 ق.م). ففي الحرب الأولى تنافست القوتان على السيطرة على صقلية. وفي الحرب الثانية لمع اسم القائد القرطاجي حنبعل الذي قاد جيشه بعبقرية عسكرية نادرة. وعبر بجيشه وجِماله وفيلاته جبال الألب لمهاجمة روما في عقر دارها. هذه الحملة صارت رمزاً في التاريخ العسكري العالمي.

أما الحرب الثالثة، فقد انتهت بكارثة للمدينة، إذ تمكنت روما من تدمير المدينة بالكامل سنة 146 ق.م، وأحرقت معابدها وأسواقها، وأرادت أن تمحو اسمها من الوجود. ورغم هذا التدمير، فإن قرطاج عادت لتبنى لاحقاً وظلت حاضرة في التاريخ كرمز للصمود والنهضة.

العمارة والمعالم الأثرية

لا تزال المدينة تحتفظ بالكثير من آثارها التي تجذب الزوار من كل أنحاء العالم، من بينها:

  • الميناء البونيقي: تحفة معمارية هندسية تؤكد عبقرية الفينيقيين في التنظيم البحري.
  • المسرح الروماني: الذي أُعيد بناؤه لاحقاً وأصبح فضاءً للفنون والعروض المسرحية والموسيقية.
  • حمامات أنطونيوس: واحدة من أكبر الحمامات الرومانية القديمة في أفريقيا.
  • متحف قرطاج: الذي يضم قطعاً أثرية نادرة تعكس فنون القرطاجيين وحياتهم اليومية.

البعد الثقافي والديني

لم تكن المدينة مجرد مدينة عسكرية أو تجارية بل كانت مركزاً دينياً وثقافياً مهماً. وعبد القرطاجيون آلهة فينيقية مثل بعل وتانيت وأقاموا طقوساً دينية خاصة بهم. كما اهتموا بالفنون والصناعات اليدوية كالخزف والمجوهرات والنقوش الحجرية التي ما زال بعضها محفوظاً حتى اليوم.

قرطاج الحديثة ومكانتها العالمية

اليوم، تعد المدينة ضاحية راقية من ضواحي العاصمة التونسية لكنها ما زالت تحتفظ بعبق التاريخ. وقد أدرجت اليونسكو قرطاج في قائمة التراث العالمي عام 1979 مما منحها بعداً عالمياً وأكسبها أهمية سياحية كبرى.

كل عام، تحتضن المدينة مهرجاناً دولياً للفنون يقام في المسرح الروماني. حيث تلتقي الموسيقى والمسرح مع التاريخ، لتجعل من المدينة فضاءً يجمع بين الماضي والحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى