تاريخ ومزارات

الليلة الكبيرة في القاهرة.. احتفالات صوفية تجسد حب المصريين للإمام الحسين ورمزية آل البيت

الإمام الحسين، في أجواء روحانية مهيبة، واصلت الطرق الصوفية في مصر احتفالاتها السنوية بذكرى قدوم رأس الإمام الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، إلى أرض مصر، حيث نظمت الليلة الختامية المعروفة باسم الليلة الكبيرة في محيط مسجد الإمام الحسين التاريخي بالقاهرة، بمشاركة آلاف المريدين والزائرين من داخل البلاد وخارجها.

احتفالات الإمام الحسين

انتشر أتباع الطرق الصوفية في الساحات المحيطة بالمسجد، وأقاموا مجالس للذكر وتلاوة القرآن الكريم ودروسًا في السيرة الحسينية، بينما تولت بعض الطرق تنظيم موائد لإطعام الزائرين في أجواء يسودها الصفاء الروحي والمودة، كما أكدت قيادات الطرق الصوفية.

ونظرًا للزحام المتوقع، أعلنت الحكومة وقف زيارات الأفواج السياحية إلى منطقة خان الخليلي ومسجد الحسين مؤقتًا بدءًا من ظهر الثلاثاء، على أن تستأنف الزيارات بداية من الأربعاء، حفاظًا على أمن وسلامة الجميع خلال الاحتفالات.

وقال الدكتور مجدي عاشور، وكيل الطريقة الصديقية الشاذلية ومستشار مفتي الجمهورية السابق، إن احتفالات هذا العام تشهد حضورًا واسعًا من مختلف الطرق الصوفية ومحبي آل البيت من داخل مصر وخارجها، موضحًا أن المصريين دأبوا على إحياء هذه المناسبة لما تحمله من رمزية دينية وتاريخية كبيرة، فهي تخلّد قدوم الرأس الشريف إلى القاهرة واحتضانها لأحد أبرز رموز آل بيت النبي محمد.

وأضاف عاشور أن ساحة مسجد الإمام الحسين تستعد دائمًا لاستقبال حشود ضخمة من الزائرين القادمين من محافظات مصر المختلفة ومن خارج البلاد، مشيرًا إلى أن مظاهر البهجة والمحبة تتجدد كل عام بمشاركة نحو ثمانين طريقة صوفية، في مشهد يعكس عمق ارتباط المصريين بأهل البيت.

وأوضح أن هذه الاحتفالات لا تقتصر على المظاهر الدينية فحسب، بل تشمل تلاوة القرآن وحلقات الذكر ودروس العلم والمدائح النبوية، مشددًا على أن الهدف الأسمى منها هو التعرف على سيرة الإمام الحسين والاقتداء بمواقفه وأخلاقه التي تمثل امتدادًا لنهج جده النبي محمد.

مساحة للتقارب الإنساني والاجتماعي

وأكد عاشور أن هذه المناسبات تمثل مساحة للتقارب الإنساني والاجتماعي، حيث يجتمع فيها الناس على الذكر والمحبة وتقديم الطعام للزائرين، ما يجعلها نموذجًا للتكافل والتآخي وردًا على الانتقادات الموجهة لبعض الموالد، قال إن هذه الاعتراضات تأتي من أشخاص يجهلون المقاصد الشرعية لهذه الاحتفالات، موضحًا أن ما قد يصاحبها من تصرفات فردية لا يلغي أصلها القائم على المحبة والاقتداء.

أما عن التاريخ، فيُذكر أن رأس الإمام الحسين نقلت إلى مصر في القرن السادس الهجري بعد أن كانت في عسقلان بفلسطين، حيث استقبلها القائد الصالح طلائع بن زريك استقبالًا مهيبًا عام 548 هـ، وأمر ببناء المسجد الحسيني الذي أصبح منذ ذلك الحين مزارًا روحيًا يقصده المسلمون من مختلف بقاع العالم.

ذكرى استشهاده في شهر محرم

ومن جانبه، قال الدكتور محمد علاء أبو العزائم، رئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية وشيخ الطريقة العزمية، إن جميع الطرق الصوفية تشارك في الليلة الختامية لمولد الإمام الحسين، مشيرًا إلى أن للطريقة العزمية احتفالين سنويين للإمام، أحدهما في ذكرى استشهاده في شهر محرم، والآخر في ذكرى قدوم رأسه إلى مصر في ربيع الآخر.

وأوضح أبو العزائم أن هذه الاحتفالات تركز على إبراز مواقف الإمام الحسين البطولية في الدفاع عن الحق والعدالة، مؤكدًا أن المصريين بطبعهم يميلون إلى الاحتفال بالأولياء والصالحين، وأن الموالد تمثل فرصة للتلاقي الإنساني والتراحم الاجتماعي، إذ يجتمع فيها الناس على المحبة وذكر الله.

وختم قائلاً إن المصريين يحتفلون بهذه المناسبات ليس فقط كطقوس دينية، بل كرمز للتسامح والتقارب بين الناس، مضيفًا أن حتى بعض المسلمين يحتفلون بذكرى القديس مار جرجس، لما تمثله هذه المناسبات من قيم المحبة والاحترام المشترك بين الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى