تاريخ ومزارات

كاودا.. مدينة الجبال المحصنة وقلب الصراع في جنوب كردفان

تقع مدينة كاودا في قلب ولاية جنوب كردفان جنوب غربي السودان، وسط طبيعة جبلية وعرة تحيط بها سلسلة جبال المورو، التي منحتها موقعا حصينا وخصوصية جغرافية نادرة، وجعلت منها واحدة من أكثر مدن المنطقة عزلة وتأثيرا في الوقت نفسه، لعبت كاودا عبر تاريخها دورا محوريا لقبائل جبال النوبة، ثم تحولت منذ ثمانينيات القرن العشرين إلى مركز سياسي وعسكري تتخذه الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال عاصمة لما تطلق عليه المناطق المحررة.

تاريخ مدينة كاودا

تتموضع كاودا على بعد نحو 548 كيلومترا جنوب غرب العاصمة الخرطوم، وتفصلها مسافة تقارب 96 كيلومترا عن مدينة كادوقلي حاضرة الولاية، كما تبعد حوالي 65 كيلومترا عن مدينة تلودي الواقعة على الحدود، ويمنحها هذا الموقع تداخلا جغرافيا مهما بين عدد من المراكز السكانية والقبلية في جنوب كردفان.

تتميز المدينة بطبيعتها الجبلية الخلابة، إذ تطوقها جبال المورو من جميع الجهات، ما جعلها محمية طبيعية شبه مغلقة، وتضم عند مدخلها الغربي شلالا مائيا يعرف ببوابة البرام، تحيط به غابة سرف الجاموس الكثيفة، وهو ما أضفى عليها بعدا سياحيا واضحا، وجعل اسمها مشتقا من كلمة كودي العامية التي تعني الشلال المتدفق من أعالي الجبال.

ترتفع كاودا عن سطح البحر ما بين 800 وألف متر، وهو ما أكسبها مناخا معتدلا على مدار العام، وتنقسم المدينة من حيث التكوين الاجتماعي إلى منطقتين رئيسيتين، كودي العلوية التي تقطنها قبيلة الأطورو، وكودي السفلية التي تسكنها قبيلة التيرا، ويعكس هذا التقسيم تداخلا قبليا حافظ على خصوصيته عبر الأجيال.

يمكن الوصول إلى كاودا عبر مدخلين أساسيين، المدخل الشمالي القادم من مدينة هيبان، والمدخل الغربي عبر بوابة البرام، وتحيط بها مجموعة من القرى والمناطق القريبة، من بينها أم دوال ومفلوع وانقارتو شرقا، وسرف الجاموس ومندي شمالا، والبرام وأم سردبة والعتمور غربا، واللحيمر والتيس وتروجي جنوبا غربيا، ما يجعلها نقطة التقاء جغرافية لعدد من التجمعات السكانية.

يشكل أبناء النوبة السكان الأصليين لمدينة كاودا، وهم من أعرق المجموعات في التاريخ السوداني، ويقدر عدد سكان المدينة بنحو 55 ألف نسمة، يعتنقون الإسلام والمسيحية، ويعيشون في نسيج اجتماعي متداخل، وتسكن قبيلة الأطورو منطقة كودي العلوية، وتتفرع إلى خمس عائلات هي كرندي وكبرة وكجاما وتمكرا واللبمي، بينما تقطن قبيلة التيرا كودي السفلية، وتتكون من أربع عائلات هي كومر وأم دردو وكلكدا وأجرون.

ويعرف أبناء قبيلة التيرا بتراثهم الشعبي الغني، خاصة في الرقصات التقليدية التي يقدمونها في المناسبات الاجتماعية، مثل رقصة كاكودي ونيقو وكنارة، إلى جانب شغفهم برياضة المصارعة التي تمثل جزءا أصيلا من هويتهم الثقافية.

يرجع التاريخ الحديث لكاودا إلى عام 1918، حين أسست بعثتان مسيحيتان تبشيريتان من أستراليا ونيوزيلندا مركزا دينيا وخدماتيا في المدينة، بالتزامن مع إنشاء مراكز مماثلة في هيبان وأم دورين وعبري بدلامي وتبانيا في البرام، إضافة إلى الإرسالية الأسقفية في سلارا وكرنقو وكاتشا. ونشطت هذه المؤسسات خلال فترة قانون المناطق المقفولة الذي أقرته الإدارة البريطانية عام 1922، مستغلة حملات مكافحة مرض الجذام لتعزيز وجودها الاجتماعي والديني.

شهدت كاودا في النصف الأول من القرن العشرين توسعا ملحوظا في النشاط التبشيري، شمل ترجمة الأناجيل إلى لهجات محلية مثل لهجتي الأطورو وهيبان، في وقت عانت فيه المنطقة من ضعف شديد في الخدمات التعليمية، إذ لم تضم سوى مدرسة واحدة تقريبا بين عامي 1918 و1958.

ومع مرور السنوات، تحولت كاودا إلى مركز إداري واجتماعي بارز، قبل أن تصبح لاحقا من أهم معاقل الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال في جنوب كردفان وفي ثمانينيات القرن الماضي، اتخذها يوسف كوة مكي مقرا لقيادة العمل المسلح، معلنا مع رفاقه التمرد على حكومة الخرطوم، لتصبح المدينة عاصمة لما عرف بأراضي الحركة المحررة في جبال النوبة.

ومنذ ذلك الوقت، لم تفلح سنوات الحرب الطويلة ولا اتفاقيات السلام المتعددة في إنهاء سيطرة الحركة الشعبية على كاودا، رغم تنظيم خدمات أساسية محدودة داخلها، وحافظت المدينة على وضعها الخاص ضمن ترتيبات السلام، بدءا من اتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة عام 2002، وصولا إلى بروتوكول عام 2005 ضمن اتفاقية نيفاشا، الذي كرس استمرار نفوذ الحركة في المنطقة.

وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011، تحولت كاودا إلى معبر رئيسي لإمدادات السلاح والذخيرة، ومركز لنشاط استخباراتي أجنبي، مستفيدة من طبيعتها الجبلية الحصينة، وهو ما عزز دورها كخط دفاع يصعب اختراقه.

وفي التاسع من يناير عام 2020، استقبلت كاودا زيارة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، في أول زيارة لمسؤول حكومي رفيع منذ اندلاع القتال في جنوب كردفان عام 2011، ووصف سياسيون الزيارة بالتاريخية والجريئة، معتبرين أنها دعمت مسار التفاوض بين الحكومة والحركات المسلحة.

وعادت المدينة إلى واجهة الأحداث أواخر نوفمبر 2025، حين نفذ الجيش السوداني قصفا جويا استهدف منطقة كاودا للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وأصاب القصف رتل سيارات عسكرية تابع للحركة الشعبية بزعامة عبد العزيز الحلو المتحالف مع قوات الدعم السريع.

يمارس سكان كاودا الزراعة والرعي باعتبارهما النشاطين الرئيسيين، ومع ظهور الذهب اتجه بعض الأهالي إلى التنقيب عن المعدن النفيس إلى جانب التجارة، وتضم المدينة مستشفى واحدا وعددا من الوحدات الصحية الصغيرة، وتعتمد على المولدات في الإمداد الكهربائي لغياب الشبكة العامة، كما يعتمد السكان على الآبار لتأمين احتياجاتهم من المياه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى