عبد الرحمن الداخل.. صقر قريش وباني مجد الأندلس
أسماء صبحي – بين طيات التاريخ الأندلسي المليء بالأحداث العاصفة تبرز شخصية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الأموي، المعروف بـ”عبد الرحمن الداخل” أو “صقر قريش”. وهذه الشخصية القبلية العربية لم تكن مجرد أمير طريد نجا من المذبحة الدموية التي أودت بمعظم بني أمية في المشرق. بل كان مؤسسًا لدولة عظيمة في الأندلس وضعت حجر الأساس لحضارة امتدت قرونًا.
من المشرق إلى المغرب
ولد عبد الرحمن الداخل سنة 731م في دمشق في بيت الحكم الأموي الذي امتد نفوذه على العالم الإسلامي لقرابة تسعين عامًا. ومع سقوط الدولة الأموية على يد العباسيين عام 750م وجد عبد الرحمن نفسه مطاردًا بعد أن أباد العباسيون معظم أفراد أسرته في مذبحة نهر “أبو فطرس”.
تمكن الأمير الشاب، الذي لم يتجاوز عمره العشرين، من الهروب في رحلة شاقة مليئة بالمخاطر عبر خلالها الفرات ومصر وصولًا إلى المغرب. وخلال هذه الرحلة الطويلة فقد معظم رفاقه وحتى أخاه، لكنه تمسك بالأمل وبفكرة استعادة مجد أسرته في مكان آخر.
الوصول إلى الأندلس
كانت الأندلس في ذلك الوقت تعيش حالة من الفوضى السياسية بعد أن ضعف نفوذ الولاة الأمويين وتفككت السلطة المركزية. وقد وجد عبد الرحمن الداخل في هذه الأرض الخصبة فرصة جديدة ليعيد إحياء الحكم الأموي.
وبعد سلسلة من التحالفات والمفاوضات مع القبائل العربية والبربرية استطاع أن يجمع حوله أنصارًا كثر. وفي عام 756م، أعلن نفسه أميرًا على الأندلس، ليؤسس بذلك الدولة الأموية المستقلة في الغرب الإسلامي بعيدًا عن سلطة العباسيين في المشرق.
قوة الشخصية القبلية
ما ميّز عبد الرحمن الداخل لم يكن فقط نسبه الأموي، بل شخصيته القبلية العربية التي جمعت بين الفروسية والدهاء السياسي. فقد كان فارسًا شجاعًا لا يتردد في خوض المعارك بنفسه. وفي الوقت نفسه كان سياسيًا بارعًا يعرف كيف يكسب ولاء القبائل العربية المختلفة في الأندلس، سواء القيسية أو اليمنية، التي طالما تنازعت فيما بينها.
معارك الداخل وتثبيت الحكم
لم يكن الطريق إلى الحكم سهلًا، فقد واجه الداخل تمردات عديدة من القبائل المنافسة والولاة الطامحين. ومن أبرز معاركه معركة المصارة قرب قرطبة عام 756م، التي تمكن فيها من دحر خصومه وإعلان سيطرته على الأندلس.
كما خاض مواجهات مع الممالك المسيحية في الشمال، واستطاع أن يؤسس حدودًا واضحة لدولته الجديدة، ما أعطى الأندلس فترة من الاستقرار السياسي لم تعرفها منذ عقود.
عبد الرحمن الداخل وصقر قريش
نال الداخل لقب “صقر قريش” من خصومه قبل أن يناله من مؤيديه. فقد أطلق الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور هذا اللقب عليه اعترافًا بصلابته وشجاعته رغم أن المنصور كان عدوًا للأمويين. ويروى أن المنصور قال: “ذاك الفتى الذي عبر البحر، ونجا بنفسه، وأقام ملكًا بعيدًا عن متناول أيدينا، هو صقر قريش حقًا.
البناء الحضاري
لم يقتصر دور الداخل على السياسة والعسكر، بل كان له دور كبير في بناء أسس الحضارة الأندلسية. فقد جعل قرطبة عاصمة للأمويين في الأندلس، وبدأ مشروعات عمرانية وثقافية ضخمة. ومن أبرز إنجازاته تأسيس الجامع الكبير في قرطبة، الذي أصبح لاحقًا منارة للعلم والدين والفنون. كما اهتم بتنظيم الإدارة والجيش والضرائب ووضع قواعد مكنّت خلفاءه فيما بعد من بناء واحدة من أعظم الحضارات الإسلامية في الغرب.
ويقول الدكتور أحمد عبد الرازق، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس، إن شخصية عبد الرحمن الداخل تقدم مثالًا فريدًا على كيف يمكن للفرد القبلي أن يصنع التاريخ. فقد حول هزيمة الأمويين في المشرق إلى نصر جديد في المغرب، وأسس لدولة قوية في الأندلس. ومن الصعب تخيل التاريخ الأندلسي دون هذه الشخصية المحورية، التي منحت الأندلس استقلالها وهويتها الخاصة.



