قبائل و عائلات

قبيلة الدواسر.. تاريخ متجذر وهوية متجددة في قلب الخليج العربي

أسماء صبحي – تعد القبائل العربية من أهم مكونات الهوية في منطقة الخليج العربي. إذ تشكل جذوراً ضاربة في عمق التاريخ ومصدر فخرٍ وانتماءٍ لأبنائها. ومن بين تلك القبائل، تبرز قبيلة الدواسر كواحدة من أكبر القبائل العربية وأكثرها تأثيراً. ليس فقط في المملكة العربية السعودية بل في مختلف دول الخليج. وتجمع هذه القبيلة بين التاريخ الطويل والحضور الحديث في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. مما يجعلها نموذجاً بارزاً في فهم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.

أصول قبيلة الدواسر وانتشارها

ترجع أصول القبيلة إلى العرب القدماء، وهي قبيلة جمعت بين الحسب والنسب من بطون تغلب والأزد. وتعد من القبائل التي نشأت في جنوب الجزيرة العربية قبل أن تستقر في منطقة نجد، تحديداً في وادي الدواسر، الذي اكتسب اسمه منها.

مع مرور الزمن، توسع وجود القبيلة ليشمل مناطق عدة من المملكة العربية السعودية إلى جانب انتشارها في البحرين وقطر والإمارات والكويت. مما جعلها من القبائل التي تجاوزت الحدود السياسية الحديثة وظلت تحافظ على روابطها القبلية والاجتماعية الممتدة عبر الخليج العربي.

دور الدواسر في تاريخ الجزيرة

عرفت قبيلة الدواسر بشجاعتها وقوتها ونفوذها في الحروب والتحالفات القديمة. حيث لعبت أدواراً بارزة في حماية الطرق التجارية الصحراوية وفي دعم قيام الكيانات السياسية التي ظهرت في نجد والخليج.

وكان لأبناء القبيلة دور فعّال في توحيد المملكة العربية السعودية خلال مراحلها المختلفة. إذ شارك العديد من رجالها في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وأسهموا في نهضتها الإدارية والعسكرية.

كما اشتهرت القبيلة بالزراعة والرعي قبل اكتشاف النفط. ثم انتقل أبناؤها إلى مجالات التعليم والإدارة والأعمال في ظل التحول الاقتصادي الكبير الذي شهدته المنطقة.

التحولات الحديثة في هوية القبيلة

مع التطور الحضري والاقتصادي في دول الخليج، شهدت القبيلة تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة. فلم تعد القبيلة مجرد رابطة دم ونسب كما كانت في السابق، بل أصبحت إطاراً رمزياً يمثل الانتماء والتاريخ والاعتزاز بالتراث.

في المدن الكبرى مثل الرياض والمنامة والدوحة، انخرط أبناء الدواسر في مختلف المهن الحديثة، من الطب والهندسة والتعليم، إلى مجالات الإعلام والسياسة. ورغم ذلك، لا يزال الانتماء القبلي يحتل مكانة مهمة في وجدانهم إذ يعتبرونه امتداداً للهوية العربية الأصيلة التي تقوم على القيم الأخلاقية والولاء العائلي والاحترام المتبادل.

البعد الثقافي والاجتماعي

تحتفظ قبيلة الدواسر بتراث ثقافي غني، يظهر في الشعر النبطي والفروسية وسباقات الهجن والاحتفالات الشعبية التي تمجد تاريخ القبيلة وأبطالها. ويحرص أفراد القبيلة في المناسبات الاجتماعية على إحياء قيم الكرم والتعاون والشهامة التي توارثوها عن أجدادهم. كما تنظم العديد من المهرجانات التي تبرز مساهماتهم في تعزيز الهوية الوطنية والخليجية.

وفي العصر الرقمي، باتت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة جديدة لإحياء الذاكرة القبلية. إذ ينشط العديد من شباب القبيلة في نشر قصائد ومرويات تاريخية توثق بطولات الأسلاف، وتعرف الأجيال الجديدة بجذورهم الثقافية.

التحولات الاقتصادية والتعليمية

لم تكن قبيلة الدواسر بمنأى عن التطورات الاقتصادية التي غيّرت وجه الخليج. فمع اكتشاف النفط وبدء النهضة التنموية، انتقل أبناء القبيلة من الحياة الريفية إلى المدن. وأسسوا أعمالاً ناجحة في مجالات التجارة والعقار والخدمات.

كما أولت القبيلة اهتماماً كبيراً بالتعليم، إذ يعد أبناء الدواسر من بين الفئات التي التحقت مبكراً بالمؤسسات التعليمية داخل المملكة وخارجها. واليوم، يشغل العديد منهم مناصب أكاديمية مرموقة في الجامعات السعودية والخليجية، ويساهمون في تطوير التعليم والبحث العلمي.

ويقول الدكتور كورتني فريير، الباحث المتخصص في شؤون الخليج العربي والعلاقات القبلية، إن القبائل مثل الدواسر لم تفقد مكانتها رغم التحولات الحديثة. بل أعادت تعريف نفسها بما يتناسب مع متطلبات الدولة المعاصرة.

ويضيف: “القبيلة اليوم ليست كياناً منغلقاً أو بديلاً عن الدولة بل شريك اجتماعي وثقافي في تعزيز الهوية الوطنية. لقد نجحت قبيلة الدواسر في أن تكون نموذجاً للتوازن بين الأصالة والتطور، وهو ما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من المشهد الخليجي الحديث”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى