النجعة: عادة الترحال الموسمي في حياة القبائل العربية
أسماء صبحي – في حياة القبائل العربية القديمة، لم تكن الأرض وطنًا ثابتًا، بل كانت مساحة رحبة تتسع للترحال والبحث عن الكلأ والماء. ومن أبرز العادات التي ارتبطت بهذا النمط المعيشي كانت “النجعة”. وهي عادة الترحال الموسمي التي اعتاد عليها البدو، حيث ينتقلون من مكان إلى آخر حسب فصول السنة وظروف البيئة. ورغم أن النجعة تراجعت اليوم في ظل التحضر والاستقرار. إلا أنها لا تزال محفوظة في الذاكرة الجمعية وتشكل جزءًا أساسيًا من هوية الإنسان البدوي.
ما هي النجعة؟
النجعة في اللغة هي الخروج في طلب المرعى في غير أوانه. أما اصطلاحًا فهي انتقال القبائل البدوية من أماكن سكناهم الأصلية إلى مواقع أخرى خلال مواسم محددة من السنة. بحثًا عن الماء والمرعى للماشية، وطلبًا لحياة أكثر ملاءمة في ظل الظروف الصحراوية القاسية. وكانت النجعة تتم في مجموعات عشائرية، يحكمها التنسيق والتقاليد القبلية الدقيقة.
دوافع الترحال
لم تكن هذه العادى مجرد رحلة عشوائية، بل كانت ضرورة حياتية حتمتها طبيعة الحياة الصحراوية. ومن أبرز دوافعها:
- شح الموارد الطبيعية: تعاني مناطق البادية من ندرة في المياه والمراعي ما يدفع القبائل للبحث المستمر عنها.
- تأمين الماشية: تعتمد القبائل على الإبل والأغنام مصدرًا للرزق. ولذلك فإن التنقل خلف المرعى ضروري.
- التكيف مع المناخ: يتنقل البدو بين المناطق الدافئة والباردة حسب الفصول. هربًا من البرد القارس أو الحر الشديد.
مواسم الترحال
كان لهذه العادة مواسم محددة، تختلف باختلاف المناطق وظروف الطقس:
- نجعة الشتاء (الشتوية): يتم فيها التوجه إلى مناطق دافئة نسبيًا، وغالبًا ما تكون في الجنوب.
- نجعة الصيف (الصيفية): ينتقل فيها الناس إلى المرتفعات أو الشمال، حيث تكون الأجواء أكثر اعتدالًا.
- النجعة المؤقتة (الطارئة): تحدث في حالات الجفاف المفاجئ أو الظروف البيئية الطارئة.
طقوس النجعة وتنظيمها
لم تكن هذه العادة مجرد انتقال، بل كانت فعلًا اجتماعيًا منظمًا. فقبل التحرك تعقد المجالس بين كبار القبيلة لتحديد الوقت والمكان المناسب. وتحزم الأمتعة ويجهز الزاد وتنظم وسائل النقل كالإبل والعربات. كما يقيم البدو “المراح” أو “السرحة” في كل محطة، وهي نقاط ارتكاز للراحة والرعي. وتسير القوافل في ترتيب واضح، عادة ما تتقدمها الكبار والمستكشفون، وتلحق بهم العائلات.
ولعبت المرأة البدوية دورًا محوريًا في عادة النجعة، حيث كانت مسؤولة عن إعداد الطعام والمؤن، نصب الخيام وفكها، رعاية الأطفال أثناء الرحلة، والمشاركة في بعض المهام المرتبطة بالماشية.
وقد شكلت هذه الأدوار قوة للمرأة داخل المجتمع البدوي، ومنحتها مكانة مرموقة رغم الطابع الذكوري للقبيلة.
الشعر والموروث الشعبي
كان للنجعة حضور قوي في القصائد البدوية والأغاني الشعبية. فهي ليست مجرد ترحال، بل كانت رمزًا للحرية والانتماء للصحراء. وقد ورد ذكرها في قصائد كثيرة تدل على الارتباط العاطفي بين البدوي وأرضه، وعلى الحنين المستمر للتنقل والهواء الطلق.
ويقول الدكتور سعود الفرج، أستاذ التاريخ الاجتماعي في جامعة الملك سعود، أن النجعة كانت تمثل وسيلة حياة لا مجرد تنقل. وكانت بمثابة نظام اقتصادي واجتماعي متكامل، يضمن استمرار الحياة في بيئة قاسية. ومع اختفائها، فقدنا جزءًا مهمًا من التراث العربي البدوي الذي يجدر توثيقه وتدريسه.



