ثعلب المخابرات المصرية: كيف غير الفريق أول رفعت جبريل قواعد الحرب الاستخباراتية مع إسرائيل؟
أسماء صبحي – في سطور خفية من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، يبرز الفريق أول محمد رفعت إبراهيم عثمان جبريل المعروف بلقب ثعلب المخابرات المصرية كأحد أبرز العقول الاستخباراتية في تاريخ المنطقة. الرجل الذي أعاد تعريف مفهوم الحرب الباردة بين المخابرات، وقاد عمليات نوعية كانت لها نتائج استراتيجية غيرت موازين القوى. أبرزها زرع رأفت الهجان، والقبض على باروخ مزراحي وهبة سليم، وعملية التنصت على الموساد.
ولد محمد رفعت جبريل في 15 مارس 1928، وتوفي في 14 ديسمبر 2009. بعد أن ترك خلفه إرثًا استخباراتيًا حافلًا بالعمليات التي أثرت في الأمن القومي المصري والعربي بعمق.
اشتهر بدوره البارز في زرع العميل رفعت الجمال (رأفت الهجان) في إسرائيل. وكذلك القبض على جواسيس خطيرين مثل هبة سليم وباروخ مزراحي. ومن أبرز عملياته أيضًا، زرع أجهزة تنصت في مقر سري للموساد في إحدى العواصم الأوروبية. وهي عملية وصفت بأنها البداية الحقيقية للعبور.
من الجندية إلى قلب جهاز المخابرات
ولد جبريل في الإسكندرية لعائلة متواضعة، نشأ على حب الوطن والانضباط. والتحق بالجيش المصري واختار سلاح المدفعية، حيث برز بقدراته القيادية والتخطيطية. ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار قبل ثورة يوليو 1952. ما عزز وعيه الوطني وجعله قريبًا من التحديات الاستراتيجية لمصر ضد الاحتلال البريطاني.
مع إنشاء جهاز المخابرات العامة المصرية، انتقل جبريل إلى قسم مقاومة الجاسوسية. حيث أظهر كفاءة في تحليل المعلومات وكشف المخططات المعادية خصوصًا من الجانب الإسرائيلي. وبفضل مهاراته، صعد في الرتب ليصبح مديرًا لقسم مقاومة الجاسوسية ثم رئيسًا لهيئة الأمن القومي.

لقب ثعلب المخابرات المصرية
لقب جبريل بـ”الثعلب” نظرًا لقدرته على التخطيط الذكي، والتمويه وتنفيذ العمليات المعقدة بنجاح. حيث تميز بحدس استخباراتي حاد، وفهم عميق لسلوك العدو، وإبداع في تنفيذ مهام تتجاوز التوقعات. كما كان يؤمن ببناء شبكات استخباراتية قوية محليًا ودوليًا، وتحول إلى مرجع في جمع وتحليل وتحويل المعلومات إلى خطط ناجحة.
زرع رفعت الجمال
واحدة من أعظم عملياته كانت زرع رفعت الجمال (رأفت الهجان) داخل إسرائيل. وبدأت العملية في أواخر الخمسينيات، واختار جبريل الجمال لتأديتها بعد تدريبه على اللغة العبرية، والاندماج الثقافي، وتلقينه مهارات التأقلم داخل المجتمع الإسرائيلي.
أشرف جبريل على كامل الخطة من الهوية المزيفة إلى شبكة الاتصالات السرية. ما مكن الجمال من تأسيس شركة سياحية والوصول إلى دوائر حساسة في تل أبيب. وامتدت المهمة سنوات طويلة لتصبح من أكثر العمليات تأثيرًا في تحضيرات مصر لحرب أكتوبر.
القبض على باروخ مزراحي
تمكن مزراحي، أحد ضباط الموساد، من اختراق مواقع حساسة في مصر وجمع معلومات خطيرة. لكن جبريل، عبر شبكة استخبارات دقيقة، رصده ثم أعد خطة متكاملة للمراقبة والتنصت والتتبع.

وبعد التأكد من ارتباطه بالموساد، ألقي القبض عليه في عملية نوعية. ما اعتبر صفعة قوية لإسرائيل ورسالة واضحة على تفوق الاستخبارات المصرية.
ثعلب المخابرات المصرية والقبض على هبة سليم
كانت هبة سليم تعمل لصالح الموساد بعد تجنيدها، واستطاعت إقامة علاقة مع ضابط مصري يدعى فاروق الفقي، وهو مهندس في موقع بالغ الحساسية. كما كان يملك معلومات حيوية عن المواقع العسكرية المصرية مما شكّل خطرًا استراتيجيًا.
اكتشف جبريل أنشطة هبة من خلال شبكته، وخطط لاستدراجها والقبض عليها خارج البلاد ثم ترحيلها إلى القاهرة. واعترفت سليم بتجسسها وتم تنفيذ حكم الإعدام بحقها، كما اعتقل الفقي، ومنح الرئيس السادات جبريل نوط الامتياز من الطبقة الأولى تكريمًا لدوره في هذه العملية.
عملية التنصت على الموساد
في أوائل السبعينيات، ومع التحضير لحرب أكتوبر، أدرك جبريل أن معلومات دقيقة عن نشاط الموساد ستمنح مصر تفوقًا، فبدأت خطة زرع أجهزة تنصت في مقر سري للموساد في إحدى العواصم الأوروبية.
تم تحديد الهدف بدقة وهو مركز يجتمع فيه كبار ضباط الموساد ونظراؤهم من مخابرات دول أخرى. وعبر شبكة استخباراتية محلية، تم جمع تفاصيل الحراسة، الروتين، والثغرات الأمنية.
صمم جبريل مع فريق متخصص أجهزة متطورة، صغيرة الحجم، تعمل لفترات طويلة دون صيانة، وقادرة على إرسال إشارات مشفرة. واستغل الفريق المصري فترة صيانة للمبنى لزرع الأجهزة في مواقع حساسة. مثل غرف الاجتماعات، واستخدم عملاء مدربين. وتفذت العملية على مراحل لتفادي اكتشافها وتم إرسال التسجيلات عبر شبكة سرية آمنة.
نتائج التسجيلات
كشف التنصت مخططات لتعاون الموساد مع أجهزة أوروبية. وتفاصيل عن تحركات إسرائيل، وخططها في حال اندلاع حرب. كما كشفت اتصالات سرية لدول تدعي الحياد بينما تدعم إسرائيل.
وقال جبريل في حوار صحفي: “هذه التسجيلات كانت بداية العبور الحقيقي”. إذ زودت القيادة بمعلومات غيرت مجرى التخطيط.
التحديات والمخاطر
العملية كانت محفوفة بالمخاطر من احتمال اكتشاف الأجهزة إلى التحديات الفنية في إرسال البيانات. لكن جبريل تجاوز هذه المخاطر عبر دقة الإعداد وسرية التنفيذ. وأنشأ شبكة وسطاء لنقل التسجيلات بوسائل دبلوماسية آمنة، ما حال دون تعرض العملية لأي خلل.
ومكنت العملية القيادة المصرية من معرفة طبيعة التحالفات الدولية، وتحليل مواقف الدول المختلفة. وتفادي فخاخ استخباراتية كانت تعد ضد الجيش المصري.



