الأساطير والحقائق في التاريخ السياسي والاجتماعي لقبائل دارود.. اعرف الحكاية
لم تعرف قبائل دارود في مسيرتها التاريخية أي شكل من أشكال الحكم الملكي المشترك، ولم تتولى قبيلة مجيرتين أو غيرها قيادة سياسية موحدة لتلك القبائل، فقد عاش أفراد دارود دون مركزية واضحة في حكمهم، كما توزعوا في مناطق متعددة داخل الصومال، ما جعل طابعهم أقرب إلى قبائل منفصلة، لكل منها كيانها الخاص واستقلالها الذاتي.
تاريخ قبائل دارود
اتخذ نظامهم الاجتماعي طابع المشيخات، وهو الأقرب إلى نمط الحكم السائد بينهم، أما الملكية فكانت استثناء تاريخيا، مارسه بعض الأفراد دون أن يمثلوا نهجا عاما، ولم يكن دارود في جوهره ملكا أو زعيما سياسيا، بل شخصية رمزية ضمن بناء اجتماعي نسبي، يحمل صفة روحية أو دينية أكثر منها سلطوية.
ولا تتوفر أدلة تاريخية مؤكدة حول وجود شخصية دارود منذ القرن العاشر الميلادي، باستثناء قبر منسوب له وآخر لزوجته دوبيرا دير، يقعان في منطقة هيلان قرب مدينة برن في محافظة سناج، وما زالت الصلة بينه وبين العدد الكبير من القبائل الصومالية التي تنتسب إليه غير مؤكدة، إذ يرجح أن مسار النسب هذا ارتبط بالتبرك بشخصيته كهاشمي، لا أكثر، خصوصا أن المنحدرين من نسبه يمثلون أكبر التكتلات القبلية في الصومال، ويقدر عددهم بعدة ملايين، وينتمون إلى شعب تاريخي عريق ارتبط بالمصريين القدماء والكوشيين، وحمل أسماء عديدة مثل البونت، البربر، المكروبيين، السودان، والصومال.
ورغم أن الملكية كانت حاضرة في بعض مراحل التاريخ الصومالي، إلا أنها بقيت استثنائية، فيما غلب طابع المشيخات، ومن أبرز المظاهر الملكية التي برزت كان الأمير نور، إلى جانب شخصيات مثل جراد ويل وال، جراد علي دبلي، وسلاطين مثل سلطنة أجوران وسلطنة جالدي، وقد تميز الأمير نور بكونه لم يحكم الصوماليين فقط، بل امتد سلطانه ليشمل مسلمي القرن الأفريقي تحت راية سلطنة عدل.
كما قال خالد حسن يوسف الباحث في الشأن القبلي، أنالعلاقات بين قبائل دارود بقيت اجتماعية الطابع، فلم يتطور بينها نظام حكم مركزي أو سلطة موحدة، في الوقت الذي ارتبطت فيه الملكية بالخضوع القسري، وهو ما لم يظهر في مسيرتهم، كما أن رموزهم التاريخية من أمثال دارود، إسحاق، سامرون، يوسف الكونين، حملت صفات أسطورية ودينية أكثر منها اجتماعية، وقد أسهم العامل الديني في ترسيخها، على غرار ما حدث في مجتمعات إسلامية أخرى، لدرجة أن أعداد المنتسبين لأهل البيت في مصر وحدها بلغ نحو ١٦ مليون نسمة.
لقد سبقت تلك الأساطير الواقع، فجرى اختراع القصص ثم البحث عما يثبتها، وهي بطبيعتها هشة وعاجزة عن الصمود أمام النقد والتحليل، بعكس القبائل مثل ديجيل، مريفلي، والأوراق الخمسة، والتي اعتمدت في علاقاتها على التحالفات القبلية لا النسب المشترك، مما يجعل فهم بنيتهم الاجتماعية أكثر منطقية.
الفرق الجوهري بين السياقين، أن الأول جاء نتيجة صياغة أيديولوجية مفترضة، بينما انبنى الثاني على معطيات اجتماعية واقعية، لذا كان أكثر تصالحا مع ذاته ومحيطه، وقد تطور عبر مراحل طويلة وشهد تحولات اجتماعية عميقة، على عكس السياق الأسطوري الذي ظهر في الفترة بين القرن العاشر والثالث عشر الميلادي، في مناطق شمال الصومال وهود والمناطق الوسطى.
ولا جدال في أن الأساطير القرشية انتقلت عبر البحر إلى الصومال، رغم تعارضها مع الواقع، لكنها استفادت من المدخل الديني الذي رسخها في الوعي الشعبي، مستغلة احترام الناس لأهل بيت النبي، وهو ما فرض قبولا لها رغم بعدها عن الواقع.
بصورة عامة، لا توجد مشكلة في أن تتولى قبيلة ما زمام القيادة، لكن المشكلة تكمن في اختلاق روايات كاذبة في كتابة التاريخ، ويشير التاريخ إلى أن الصوماليين ومنهم دارود، اجتمعوا سنة ١٢٩٨ ميلادية بقيادة جراد عبد اللهي كوجي، كأول شيخ لقبيلة ورسنجلي، والذي قاد مقاومة ضد التوسع الحبشي، خاصة في ظل حملة قادها الأورومو نحو الشرق الصومالي.
في نهاية المطاف، لم يكن دارود إسماعيل ملكا، بل شخصية دينية كما تسرد الأساطير، وتكونت من ذريته قبائل وعشائر بعد وفاته، ما يدحض رواية أنه كان ملكا، فكيف يكون ملكا ولم يكن له رعية؟ وإذا قيل إنه أسس قبيلته، فمن غير المنطقي أن يكون ملكا على مجتمع لم يكن قد تشكل بعد.
وتقول بعض الروايات إن حكم المجيرتين بدأ بعد وفاته بعدة أجيال، وإن سلسلة المشيخة تمتد لـ٣٤ شيخا، بينما تؤكد وثائق القبيلة أن هناك ٢٧ جيلا فقط بين الشيخ الحالي برهان محمود عثمان يوسف ومحمد هرتي المعروف بمجيرتين، ما يعني أن الأجيال السبعة الفاصلة بين مجيرتين ودارود لم تكن ضمن المشيخات، بل كانت تمثل الآباء المؤسسين فقط، وهو أمر ينطبق على باقي فروع دارود أيضا، لذا لا يجوز حسابهم ضمن تسلسل المشيخة.
أما الادعاء بأن تسلسل الحكم من الشيخ الحالي يمتد حتى دارود في ٣٤ جيلا، فهو مجرد أسطورة أريد بها تثبيت تاريخ مختلق يسهل تمريره على العامة، خاصة من لا يدققون في التفاصيل.
وفي تقاليد قبائل هرتي دارود، يتم تتويج الشيوخ عبر طقس رمزي يقوم فيه جراد قبيلة ورسنجلي بسكب الحليب على رأس الشيخ الجديد، ولا يقوم بذلك شيخ من مجيرتين، بل شيخ من ورسنجلي، وهي القبيلة التي تمتلك تسلسلا مشيخيا دقيقا منذ عام ١٢٩٨ ميلادية، حيث وصل عدد مشايخها إلى ٢٧.
وهذا الترتيب الزمني يثبت أن مشيخة ورسنجلي أقدم من مجيرتين، فهي سلطنة ذات تاريخ دقيق، توثق أسماء مشايخها والفترات التي حكم فيها كل منهم، وما يميزها عن غيرها من مشيخات دارود هو عدم احتساب الأجيال التي تفصل بينها وبين دارود ضمن سلسلتها، باعتبارهم لم يكونوا شيوخا، بل يمثلون فقط تسلسل النسب.
من اللافت أيضا أن لقب الملك لم يكن مستخدما بين قبائل مجيرتين حتى عهد الشيخ عثمان محمود يوسف، الذي أطلق على نفسه هذا اللقب أثناء منافسته مع الشيخ يوسف علي كينديد الذي أعلن نفسه سلطانا، ما دفع عثمان لتغيير لقبه من سلطان إلى ملك.
ولم يكن لقب السلطان مستخدما في العرف الصومالي، إنما استُخدم لاحقا نتيجة التفاعل مع الثقافة العربية، بينما كانت الألقاب التقليدية هي جراد، أوجاس، بيلداجي، إسلان وغيرها، ما يوضح أن بعض المسميات تم تبنيها لاحقا لأغراض تنافسية أو سياسية، لا بوصفها جزءا من الموروث الأصلي.



