هاشم بن عبد مناف الرجل الذي أنقذ قريش من الجوع وأسس مجد رحلتي الشتاء والصيف
رحلة الشتاء والصيف في قلب شبه الجزيرة العربية حيث يسطع بيت الله الحرام كجوهرة بين رمال مكة الذهبية كانت قريش تعيش في ظلال الكعبة قبيلة محاطة بالمهابة والقداسة يقصدها الناس من كل مكان لكن الجوع كان يترصدهم في صمت كذئب الصحراء ينتظر لحظة الانقضاض في الليالي الباردة عرفوا ذلك العذاب باسم الاعتفار وهي عادة قاسية تدفع رب البيت حين تشتد الفاقة إلى حمل عياله إلى واد بعيد ينصب لهم خيمة هشة ويتركهم يواجهون الموت جوعا ببطء حتى لا يثقل على قبيلته هم الفقر والعار كانت هذه العادة تلتهم قلوب القرشيين وتخيفهم من أن يخلو الحرم من أهله وأن تفنى مكة تحت وطأة الجوع.
ما قصة رحلة الشتاء والصيف
وفي يوم من أيام الشدة نزلت فاقة الموت ببيت من بني مخزوم حتى صار الجوع يعصف بهم كعاصفة رملية فأخذ رب البيت أطفاله ونسوته المرهقات إلى ذلك الوادي البعيد وضرب خيمة مهترئة وجلسوا ينظرون إلى السماء في انتظار رحمة لا تأتي وسرعان ما انتشر الخبر في أرجاء مكة كالنار في الهشيم يحمل رائحة الحزن واليأس.
كان هاشم بن عبد مناف يجلس في مجلسه المطل على الحرم رجل حكيم ذو هيبة ورؤية وكان على صلة ببني مخزوم إذ كان أحد أبنائهم ربيبا لأسد بن هاشم فلما سمع بما حدث اضطرب قلبه حزنا وغضبا فقام مسرعا وصعد إلى صفوة الكعبة حيث يجتمع شيوخ قريش ونادى بصوت ملأ الساحة هيبة يا قريش أحدثتم أمرا يقتلكم ويذلكم أمام العرب أنتم أهل حرم الله والناس لكم تبع وحماية فكيف تتركون أهلكم يموتون جوعا في الصحراء هذا الاعتفار سيقضي عليكم ويفرغ البيت من قاصديه ألا ترون أن الفقير بينكم يموت صامتا والغني يأكل متنعما.
ساد الصمت في المجلس وانحنت الرؤوس خجلا وتأنيبا ثم تابع هاشم بصوت الأب الحكيم أيها القوم لا تدعوا الجوع يفنيكم فالأرض مليئة بفرص التجارة والبحر والبر يحملان سبل الرزق سأجمع كل بطن من بطون قريش على رحلتين عظيمتين رحلة في الشتاء إلى بلاد اليمن والحبشة حيث بخور حمير وأقمشتها ورحلة في الصيف إلى الشام حيث مدن التجارة والحرير في بصرى وسيكون الغني فيكم مسؤولا عن الفقير فيقسم معه الربح حتى يعيش الجميع بكرامة ويتقووا كأنهم أسود تحمي بعضها بعضا.
حماية القوافل
وهكذا بدأ هاشم رحلتي الشتاء والصيف وكان أول من سنهما لقريش لم يكتف بالكلام بل انطلق في الصحراء يتفاوض مع القبائل المجاورة قائلا أيها العرب إن قوافلنا ستمر بأرضكم فأعينونا بالحماية وسنضمن لكم البضائع والطعام ونصدر سلعكم إلى العالم وكان يدفع المال مقابل الأمان ويأخذ منهم العهد على حماية القوافل.
ثم غادر هاشم الجزيرة وسافر إلى ملوك البلاد المجاورة فوقف أمام قيصر الروم في قصره المذهب وقال يا ملك الشام افتحوا طريقكم أمام تجارتنا وسنضمن لكم أمن قوافلكم من غارات العرب إن هذا الاتفاق يجلب الخير للجميع ويجعل البضائع تتدفق إلى أسواقكم كالسيل وفي اليمن تفاوض مع ملوك حمير والحبشة يقنعهم بفوائد التجارة الآمنة فوافقوا بعد أن كانت قوافلهم تخاف الغارات وأصبحت الطرق بعدها آمنة والبضائع تتدفق إلى مكة على مدار العام بخور اليمن في الشتاء وحرير الشام في الصيف.
ومن يد هاشم المباركة أنقذت رحلتا الشتاء والصيف قريش من براثن الجوع وأشعلتا شعلة التجارة التي أضاءت تاريخ الجزيرة فصار الفقير غنيا والحرم آمنا وقريش ذات سلطان ومال وبقي اسم هاشم يتردد مع القوافل يحكي قصة رجل غير مصير أمة بحكمته وجرأته وبصيرة قلبه.



