عسقلان… ملحمة الدم والصمود التي كسرت غرور الصليبيين

مع بزوغ فجر الثاني عشر من أغسطس عام 1099، بدأ المشهد على سواحل عسقلان مختلفا، إذ تسللت خيوط الضوء الأولى بينما اهتزت الأرض تحت وقع سنابك الخيل ووقع السيوف، في لحظة حبست الأنفاس ومهدت لواحدة من أعنف المواجهات في تاريخ المنطقة.
قصة عسقلان
بعد أسابيع قليلة من سقوط القدس في أيدي الصليبيين وسط مجازر دامية، بحث المسلمون عن فرصة تعيد التوازن، فتحرك الوزير الفاطمي الأفضل شاهنشاه بسرعة، وجمع جيشا ضخما قارب العشرين ألف مقاتل، امتلأت صفوفه بالحماس والرغبة في استعادة المدينة المقدسة، واختار عسقلان الحصينة نقطة انطلاق، فأقام معسكره في منطقة حمامة، معتقدا أن الفرنجة لا يزالون منشغلين بترتيب أوضاعهم بعد معركة القدس.
في المقابل، تابع جودفري دي بوايون، حاكم القدس الجديد، تحركات الجيش الفاطمي بدقة، وانتظر اللحظة المناسبة للانقضاض، حتى جاءت الفرصة مع أولى ساعات الفجر، حين اندفع بجيش لم يتجاوز عشرة آلاف مقاتل نحو المعسكر الفاطمي، مستغلا عنصر المفاجأة، بينما غرق الجنود في نوم عميق لا يتوقعون خلاله أي هجوم.
دوّت الأبواق فجأة، وارتفعت صيحات الحرب في الظلام، وتحولت خيام المعسكر إلى ساحة فوضى عارمة، حيث اندلعت المعركة بلا إنذار، وتقدم الصليبيون بسرعة خاطفة، فانهارت الصفوف الفاطمية تحت ضغط الهجوم المباغت، وسقط آلاف القتلى في وقت قصير، تراوح عددهم بين عشرة آلاف واثني عشر ألف مقاتل، فيما سيطر الفرنجة على المعسكر بالكامل، واستولوا على كل ما فيه من أسلحة ودواب ومؤن، ثم عادوا إلى القدس في اليوم التالي وهم يرفعون رايات النصر.
لم يتوقف طموح جودفري عند هذا الحد، بل توجه مباشرة نحو عسقلان، طامعا في السيطرة على المدينة الساحلية الغنية، وفرض حصارا حولها، متوقعا أن تنهار مقاومتها خلال أيام قليلة، مستندا إلى التفوق العسكري والانتصار السريع الذي حققه.
لكن عسقلان فاجأته بما لم يتوقعه، إذ خرج أهلها جميعا للدفاع عنها، من تجار وصيادين وشباب وشيوخ، وتحولوا إلى قوة مقاتلة شرسة، يقاتلون بكل ما يملكون من إصرار، ويردون كل محاولة اقتحام بعنف شديد، فتساقطت السهام من فوق الأسوار، وانهمرت الحجارة والزيت المغلي على المهاجمين، بينما استمر الرجال في القتال دون تراجع، وكلما سقط مقاتل تقدم غيره ليحمل السلاح.
تكبد أهل عسقلان خسائر كبيرة، حيث سقط نحو ألفين وسبعمائة مقاتل، لكنهم تمسكوا بمدينتهم ورفضوا الاستسلام، وواجهوا الحصار بروح صلبة، لم تنكسر رغم شدة الظروف وقسوة المعارك.
حاول جودفري كسر هذا الصمود بطريقة أخرى، ففرض جزية ضخمة بلغت عشرين ألف دينار ذهبي مقابل رفع الحصار، معتقدا أن الضغط سيجبر السكان على القبول، لكن أهل عسقلان رفضوا العرض، وازدادوا تمسكا بموقفهم، وارتفعت روح المقاومة بينهم بشكل أكبر.
في الوقت نفسه، اشتعل خلاف قوي داخل المعسكر الصليبي، حيث تنازع جودفري وريمون دي سان جيل، دوق تولوز، على حكم المدينة في حال سقوطها، وسعى كل طرف لفرض نفوذه، مما أضعف وحدة الصف، وأثار حالة من التوتر بين القادة.
استغل أهل عسقلان هذا الانقسام بذكاء واضح، فواصلوا الضغط على القوات المحاصرة، ورفعوا من وتيرة مقاومتهم، حتى تحول الحصار إلى عبء ثقيل على الصليبيين، ومع مرور الوقت وتزايد الخسائر، لم يجدوا خيارا سوى التراجع.
بعد شهرين كاملين من القتال والحصار دون نتيجة، قرر الصليبيون رفع الحصار والانسحاب، وغادروا المنطقة وهم يجرون خلفهم خيبة أمل كبيرة، بعدما فشلوا في تحقيق هدفهم رغم تفوقهم العسكري.
خرجت عسقلان من هذه المواجهة مرفوعة الرأس، محافظة على استقلالها، ومثبتة أن الإرادة الصلبة يمكنها أن تقف في وجه أقوى الجيوش، لتتحول إلى رمز حي للصمود في أرض الشام.
ظلت المدينة لسنوات طويلة مصدر إلهام للمسلمين، واستمدت منها الأجيال معنى الثبات، ومن أسوارها نفسها، وبعد نحو تسعين عاما، انطلقت حملات صلاح الدين الأيوبي التي أعادت القدس إلى حضنها من جديد.
سجلت معركة عسقلان صفحة مؤلمة في تاريخ الجيش الفاطمي بسبب الخسائر الكبيرة، لكنها في الوقت ذاته صنعت واحدة من أعظم قصص الصمود الشعبي، حين وقف أهل مدينة صغيرة في وجه قوة كبرى، وكتبوا بدمائهم ملحمة لا تنسى.



