القطية في موريتانيا.. تقليد اجتماعي يجسد روح التكافل بين العائلات
أسماء صبحي – تحظى عادة القطية في موريتانيا بمكانة اجتماعية خاصة، إذ تعد من أبرز التقاليد الشعبية التي تعكس روح التعاون والتضامن بين الناس. خاصة في المناسبات الكبيرة مثل الزواج أو بناء المنازل أو مساعدة الأسر المحتاجة.
وتقوم فكرة القطية على مساهمة مجموعة من الأقارب والجيران والأصدقاء بمبالغ مالية أو مواد غذائية أو مواشي لدعم شخص أو عائلة تمر بظرف معين أو تستعد لتنظيم مناسبة كبيرة. وعلى الرغم من بساطة الفكرة، فإنها تمثل جزءًا عميقًا من الثقافة الموريتانية التي تقوم على الترابط الاجتماعي والوقوف إلى جانب الآخرين.
عادة القطية في موريتانيا
عند اقتراب مناسبة زواج مثلًا، يبدأ الأقارب والجيران في تقديم مساهماتهم بشكل طوعي. وقد تشمل الأموال أو الأرز أو السكر أو حتى رؤوس الأغنام والإبل بحسب قدرة كل شخص. وينظر إلى هذه المساهمات باعتبارها واجبًا اجتماعيًا يعكس مكانة التعاون داخل المجتمع الموريتاني.
ولا يقتصر الأمر على المناسبات السعيدة فقط بل تظهر “القطية” أيضًا في أوقات الأزمات. حيث يتكاتف الناس لمساعدة الأسر التي تعرضت لخسائر أو ظروف معيشية صعبة، في صورة تعكس قوة العلاقات الإنسانية داخل المجتمع المحلي.
النساء يلعبن دورًا بارزًا في تنظيم العادة
تلعب النساء دورًا مهمًا في “القطية”، إذ يشاركن في جمع المساعدات وتنظيم الاحتياجات الخاصة بالمناسبة، إضافة إلى إعداد الطعام التقليدي واستقبال الضيوف. وفي بعض المناطق الريفية تتحول المناسبة إلى تجمع اجتماعي كبير تتبادل فيه النساء الخبرات والأحاديث الشعبية وسط أجواء مليئة بالألفة.
كما تحرص العائلات على تعليم الأطفال قيمة “القطية” منذ الصغر حتى يدركوا أهمية التعاون والمساندة المجتمعية. وهو ما ساهم في استمرار هذه العادة حتى اليوم رغم التغيرات الحديثة.
عادة تتجاوز الجانب المادي
ويرى باحثون في التراث الموريتاني أن “القطية” لا تتعلق فقط بالمساعدة المالية. بل تمثل وسيلة للحفاظ على الترابط الاجتماعي ومنع العزلة داخل المجتمع. فالمشاركة في هذه العادة تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والدعم النفسي، خاصة في البيئات الصحراوية التي عرفت تاريخيًا صعوبة الظروف المعيشية.
وفي بعض القرى، يتم توثيق أسماء المشاركين في “القطية” عرفيًا حتى يتم رد المساعدة مستقبلًا عند احتياج أي طرف آخر. وهو ما يخلق شبكة اجتماعية متماسكة قائمة على تبادل الدعم والثقة.
الشباب يحافظون على العادة رغم الحداثة
ورغم التطورات الاقتصادية وانتشار أنماط الحياة الحديثة، لا تزال “القطية” حاضرة بقوة داخل المجتمع الموريتاني سواء في المدن أو المناطق الريفية. ويعتبرها كثير من الشباب جزءًا من الهوية الثقافية التي تميز المجتمع الموريتاني عن غيره، خاصة أنها تعكس قيم الكرم والتكافل التي يشتهر بها أهل الصحراء.
كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة في تطوير شكل القطية في موريتانيا. حيث أصبحت بعض المساهمات تجمع إلكترونيًا لمساعدة المحتاجين أو دعم المبادرات الاجتماعية مع الحفاظ على الفكرة الأساسية للعادات القديمة.



