من عدو شرس إلى درع للإيمان.. التحول المذهل في سيرة سهيل بن عمرو

عاش في مكة رجل من سادة قريش عرف باسم سهيل بن عمرو، وتميز ببلاغة لسانه وقوة خطابه، فكان من أفصح خطباء قومه وأكثرهم تأثيرا، امتلك صوتا جهوريا يلفت الانتباه، وبيانا يخطف القلوب، واستغل هذه الموهبة في الدفاع عن قريش، فحرّض المشركين ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشعل بكلماته نار العداء في صدورهم.
قصة سهيل بن عمرو
وفي يوم بدر الكبرى وقع سهيل بن عمرو أسيرا مع عدد من كبار قريش، وعندما رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتعل الحماس في قلبه، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال بغضب ظاهر، يا رسول الله دعني أنزع ثنيتيه حتى لا يقف خطيبا ضدك مرة أخرى، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه بابتسامة هادئة تعكس حكمته، وقال له اتركه يا عمر فلعل الله يجعله في مقام تحمده عليه يوما.
لم تكن تلك الكلمات مجرد موقف عابر، بل حملت في طياتها بشارة عظيمة ونظرة بعيدة، كشفت عن يقين النبي صلى الله عليه وسلم بما يحمله المستقبل، وأثبتت أن القلوب قد تتغير مهما اشتد عنادها.
ومرت السنوات حتى جاء فتح مكة، فدخل سهيل بن عمرو الإسلام بقلب صادق، وتحول تحولا كاملا، فأقبل على العبادة بخشوع كبير، وأصبح من أكثر الناس صلاة وصياما وصدقة، وكان يبكي من خشية الله حتى يتغير وجهه، وحرص على تعلم القرآن، فكان يجلس إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه، ويتأثر بالآيات حتى يظهر أثر الخشوع على ملامحه.
وجاءت اللحظة الفاصلة التي تحققت فيها كلمات النبي صلى الله عليه وسلم بشكل واضح، حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاهتزت الجزيرة العربية، وارتد عدد من القبائل، وعم القلق في مكة، واختفى عتاب بن أسيد أميرها، وشعر الناس بالخوف على دينهم، واجتمعوا في حالة من الاضطراب لا يعرفون كيف يتصرفون.
وفي تلك اللحظات العصيبة وقف سهيل بن عمرو بينهم، ورفع صوته الذي كان يوما أداة للتحريض، فأصبح وسيلة لتثبيت الإيمان، ونادى في قريش قائلا يا معشر قريش لا تكونوا آخر من دخل الإسلام وأول من يتركه، إن هذا الدين سيبقى ممتدا كامتداد الشمس والقمر، من طلوعهما إلى غروبهما، وواصل حديثه يذكرهم بعظمة الإسلام، وبنور الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبقوة هذا الدين الذي لا يزول.
دخلت كلماته القلوب بقوة، فأعادت الثبات إلى النفوس، ومنحت المترددين يقينا، وعادت الطمأنينة إلى أهل مكة، ورجع عتاب بن أسيد إلى موقعه، وثبت الناس على الإسلام ولم يرتد أحد منهم.
وبعد ذلك توجه سهيل بن عمرو إلى الشام مجاهدا في سبيل الله مع أسرته، باستثناء ابنته هند، وقدم أبناءه وأهله شهداء في ميادين القتال، وتذكر الروايات أنه شارك في معارك كبرى مثل اليرموك، بينما تشير أقوال أخرى إلى أنه توفي في طاعون عمواس في السنة الثامنة عشرة للهجرة خلال خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقبل أن يهديه الله إلى الإسلام شارك سهيل في كل المواجهات ضد المسلمين، فشهد بدر وأحد والخندق، وكان من أبرز المشاركين في صلح الحديبية حيث كتب بنوده بيده، وتمسك حينها بموقفه بشدة، لكنه بعد إسلامه ظل يتذكر تلك المواقف ويشعر بالحياء، ويسترجع ما قاله في تلك الأيام ويتأمل كيف تغير حاله.
كما فقد ابنه عبد الله في معركة اليمامة، فواسه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين فضل الشهيد، فاستقبل سهيل هذا العزاء بقلب مؤمن، وأعرب عن أمله في أن يكون من أوائل من ينال شفاعة ابنه.
وهكذا تحولت حياة سهيل بن عمرو بشكل كامل، فانتقل من خطيب يحارب الحق إلى رجل يدافع عنه ويثبت الناس عليه في أصعب الأوقات، وأصبح نموذجا حيا لقوة التغيير، وتجسدت فيه كلمات النبي صلى الله عليه وسلم التي قالها يوم بدر، حين توقع له مستقبلا مشرفا يذكره الناس بالخير.



