بين الحقيقة والأسطورة.. شخصيات تاريخية تحولت إلى أساطير منها جحا وفاوست

أميرة جادو
تتنوع الحكايات والأخبار التاريخية بين وقائع موثقة وأخرى تسربت إليها إضافات الخيال، إذ تتشابك الروايات الشفهية والانحيازات السياسية مع سير الأعلام والشخصيات، فيغدو من العسير على القارئ أن يفصل بين الحقيقة والأسطورة الخيالية.
كما توضح الدراسات التاريخية والنقدية أن عددًا من الشخصيات عبر العصور تعرضت لعمليات تحوير وتبديل، حتى تحولت إلى مادة ثرية للروايات الشعبية والقصص الساخرة، بعيدًا أحيانًا عن صورتها الأولى.
شخصية جحا.. بين التابعي والفكاهة الشعبية
يقال إن الأصل هو دجين بن ثابت الفزاري، وهو تابعي من أهل الكوفة، نقلت عنه أحاديث موثقة في التراث الإسلامي، غير أن المخيال الشعبي، ومع مرور الزمن، أعاد تشكيل شخصية جحا لتصبح محورًا للطرائف والنكات، وغالبًا ما تصور في صورة “الأبله” أو “الساذج”، وهي صورة لا تمت بصلة إلى التابعي الحقيقي.
كما يمثل هذا التحول نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للرواية الشفهية والمبالغات الشعبية أن تعيد رسم ملامح الشخصيات التاريخية، فتنقلها من دائرة الواقع إلى فضاء الأسطورة.
عبد الله بن سبأ.. أسطورة أم حقيقة؟
وذكرت بعض المصادر التاريخية اسمه بوصفه يهوديًا يمنيًا أعلن إسلامه وأثار الفتنة ضد الخليفة عثمان بن عفان، كما أشار ابن حبان إلى ذكر أتباعه في بعض الروايات.
وفي المقابل، ذهب عدد من الباحثين والمستشرقين إلى اعتباره شخصية متخيلة، أو أن الأخبار المنسوبة إليه شابها قدر كبير من المبالغة، مع تضخيم لدوره في سياق الأحداث.
كما تجسد هذه الشخصية إشكالية الفصل بين السرد التاريخي والتوظيف السياسي، إذ قد تستدعى بعض الأسماء لتدعيم روايات معينة أو تحميلها أدوارًا تتجاوز حقيقتها.
ولا تنحصر إشكالية الالتباس بين الحقيقة والخيال في الشرق أو في التاريخ الإسلامي فحسب، بل تمتد إلى نماذج أوروبية وغربية تحولت بدورها إلى رموز شعبية وأساطير متداولة.
روبن هود.. أيقونة الثورات الاجتماعية
وتعتبر شخصية روبن هود من أشهر النماذج التي جسدت فكرة السطو على الأغنياء لإغاثة الفقراء، حتى غدت رمزًا للثورات الاجتماعية وألهمت عشرات الكتاب والأدباء، وأصبح اسمها مرادفًا للفروسية والإيثار.
ومع ذلك، لا يتوافر دليل حاسم يؤكد وجود روبن هود كشخصية تاريخية محددة؛ إذ لم تحسم هويته أو طبقته الاجتماعية: أكان ثائرًا من عامة الناس يقود الخارجين على القانون، أم نبيلًا تمرد على حياة الرفاه لنصرة الفقراء؟ وقد نسجت حوله روايات شعبية وأدبية لا حصر لها، صورته بطلًا خارقًا ومحاربًا جسورًا وناشطًا اجتماعيًا في مواجهة الظلم.
ونسب إليه أحيانًا أنه كان تابعًا للملك ريتشارد قلب الأسد، أو أحد حكام إسكتلندا، أو حتى فارسًا من فرسان الهيكل.
ليكورغوس.. مؤسس النظام العسكري في إسبرطة
أما شخصية ليكورغوس الغامضة، فترتبط بوضع الدستور والنظام العسكري في إسبرطة، كما ينسب إليه تقديم إصلاحات صارمة شملت الزواج، وتنظيم المال، وأساليب تربية الأطفال، بغرض إعداد جيل من المحاربين الأقوياء.
ورغم أن تلك الإصلاحات طبقت فعليًا في التاريخ الإسبرطي، لا يزال المؤرخون يتساءلون عما إذا كان ليكورغوس شخصية حقيقية مستقلة، أم أن اسمه يرمز إلى حركة إصلاح أوسع شهدها المجتمع الإسبرطي في مرحلة معينة.
فاوست.. الأسطورة الأوروبية وصراع الفرد والكنيسة
أما فاوست، فقد جسد في الوعي الأوروبي صراع الإنسان الفرد مع الكنيسة ومتطلبات عصر النهضة الاقتصادية والعلمية، وتحول إلى مادة أدبية ومسرحية ثرية عبر القرون.
الحقيقة التاريخية: لا يعرف الكثير على وجه الدقة عن فاوست الحقيقي، غير أن بعض الدراسات تشير إلى أنه كان رجلًا متعلمًا في بدايات العصور الأوروبية الحديثة، سعى إلى استكشاف آفاق المعرفة وحدود التجربة الإنسانية، وهو ما غذى خيال الأدباء لاحقًا.
الخيال والأسطورة: أما الأعمال الأدبية والمسرحية، فتصوره رجلًا يعقد صفقة مع قوى خارقة ويبيع روحه للشيطان، في تجسيد رمزي للصراع بين النزعة الفردية والسلطة الدينية، لتغدو قصته أحد النماذج الكلاسيكية الدالة على التحولات الفكرية في أوروبا الحديثة.



