«في مقعد القيادة».. مصريات كسرن احتكار الرجال من الطائرة للمترو

أميرة جادو
على امتداد التاريخ، لم تكن المرأة المصرية مجرد شاهدة على التحولات، بل كانت في قلبها ومحركها الأساسي، فمنذ اللحظة التي قررت فيها النزول إلى ميادين العمل، برهنت على قدرتها على تحمل المسؤوليات المختلفة، وواجهت التحديات دون تردد، رافضة أن تظل في موقع المتفرج، لم تقبل بالجلوس في الصفوف الخلفية، بل تقدمت إلى المقدمة وأمسكت بعجلة القيادة، متحدية الأعراف المثبطة، ومكسرة احتكار الرجال للمجالات الشاقة، فقادت السيارات، واعتلت قمرة الطائرات، ووصلت إلى مقصورة قيادة مترو الأنفاق، رافعة راية «ممنوع الركن»، وفي السطور التالية، نرصد مسيرة ثلاث نساء مصريات نقشْن أسماءهن في سجل الأوائل، وأسقطن مقولة «السواقة للرجال فقط».
عباسية فرغلي.. رائدة الدركسيون
في زمن كانت فيه العربات التي تجرها الخيول ما زالت تنافس المحركات الحديثة، اختارت عباسية فرغلي، ابنة مدينة الإسكندرية والمنتمية إلى عائلة «فرغلي» المعروفة، أن تمسك بالمقود، لم تكن القيادة بالنسبة لها نوعاً من الترف، بل إعلاناً واضحاً عن الاستقلال والقدرة على كسر القيود.
وفي يوليو عام 1920، حصلت عباسية على أول رخصة قيادة رسمية تمنح لامرأة مصرية، لتفتح بذلك الطريق أمام أجيال من النساء اللاتي قدن سياراتهن لاحقاً وسط شوارع القاهرة المزدحمة، متجاوزات النظرة النمطية التي كانت تحصر المرأة في المقاعد الخلفية.
كما صدرت الرخصة باللغة الفرنسية، بما يعكس طبيعة تلك المرحلة التاريخية وتأثر مصر بالثقافة الأوروبية آنذاك، وبلغت رسوم استخراجها 100 مليم مصري، وهو رقم قد يبدو زهيداً اليوم، لكنه كان يحمل قيمة كبيرة في ذلك الزمن.
لم تكن الرخصة مجرد وثيقة تسمح بالقيادة، بل تحولت إلى رمز لحق المرأة في الحرية والاستقلال، وبخطوتها الجريئة، مهدت عباسية الطريق أمام نساء كثيرات للمطالبة بحقوقهن والسعي خلف طموحاتهن دون تردد، واضعة حجر الأساس لتحول اجتماعي امتد أثره عبر العقود.
لطفية النادي..أول الغيث بالسحاب
في وقت كان فيه الطيران أقرب إلى الحلم البعيد، قررت الشابة المصرية لطفية النادي أن تحلق بطموحها خارج حدود المألوف.
ولدت لطفية عام 1907، وواجهت معارضة شديدة من والدها لفكرة تعلمها الطيران، لكنها لم تستسلم. لجأت إلى العمل سكرتيرة في مدرسة الطيران، مقابل أن تتحمل المدرسة نفقات دروس الطيران الخاصة بها.
وخلال عام 1933، حصلت على إجازة الطيران، وكان عمرها آنذاك 26 عاماً فقط، لتصبح أول امرأة في مصر والعالم العربي، وثاني امرأة في العالم بعد إميليا إيرهارت تقود طائرة بمفردها.
ورغم معارضة والدها في البداية، كانت والدتها تشجعها سراً، وحين حلقت لطفية فوق سماء القاهرة، تحول الرفض إلى فخر، وأصبح إنجازها حديث الجميع.
وبهذا الإنجاز، لم تكن لطفية النادي مجرد أول قائدة طائرة مصرية وعربية، بل غدت رمزاً عالمياً للإصرار وكسر القيود، حتى إنها اعتادت إرسال صورها لوالدها وهي بين الغيوم، لتؤكد له أن السماء لا تميز بين رجل وامرأة.
هند وسوزان.. مايسترو “الخط الثالث”
بعد ما يقرب من تسعة عقود على تحليق لطفية في السماء، انتقلت ساحة التحدي إلى باطن الأرض، ومع افتتاح التوسعات الجديدة لمترو الأنفاق، برز اسم هند عمرو كإحدى أوائل السيدات اللاتي اقتحمن مهنة قيادة قطارات المترو.
تم اختيارها من بين آلاف المتقدمين، عقب اجتياز اختبارات صارمة استمرت أربعة أشهر. وفي ظل ضغط العمل اليومي داخل الأنفاق، ومسؤولية نقل آلاف الركاب، أثبتت هند أن الدقة، والالتزام بالمواعيد، والثبات الانفعالي ليست صفات حكرًا على الرجال.
وبزيها الرسمي، وثباتها خلف لوحة التحكم، كانت هند تكسر يومياً حواجز اجتماعية جديدة، مؤكدة أن المرأة قادرة على إدارة الصعاب، وتحمل مسؤولية أرواح كثيرة بثقة وأمان. وتعمل حالياً مشرفة تشغيل الخط الرئيسي في الخط الثالث، حيث تتابع حركة القطارات وتواجه التحديات التشغيلية المختلفة.
وتروي هند أن البدايات لم تكن سهلة، إذ كان الركاب ينظرون إليها بدهشة عند دخولها المحطة كقائدة قطار، لكون الأمر غير معتاد في مصر. وكان بعضهم يتفحص قمرة القيادة ليتأكد بنفسه أن من يقود القطار امرأة، ثم ينهال عليها بالأسئلة بعد انتهاء الرحلة: كيف تقدمتِ؟ وكيف تستطيعين العمل في هذه المهنة؟ وكيف تتمكنين من قيادة القطار والتعامل معه؟
الفضول هو الدافع للتجربة
وتؤكد أن هذا الوضع استمر قرابة عام كامل، قبل أن يعتاد الناس الأمر تدريجياً، كما اعتاد زملاؤها من الرجال العمل جنباً إلى جنب مع النساء دون أي تمييز.
أما سوزان محمد، البالغة من العمر 32 عاماً، فتقول إن الفضول كان الدافع الأساسي لخوض تجربة قيادة المترو، وتوضح أن دهشة الناس في البداية تحولت لاحقاً إلى دعم وتشجيع.
كما تشير سوزان إلى أن عائلتها انقسمت حول فكرة عملها في هذا المجال، خاصة أن المترو يتكون من ثماني عربات، وليس مجرد سيارة، إلا أن موقف الشركة الجاد، والتدريبات المكثفة التي تلقتها، إلى جانب الدعم الذي وجدته من المحيطين بها، كانت عوامل حاسمة في إقناع أسرتها.
ومن عباسية التي روضت الأسفلت، إلى لطفية التي سخّرت الرياح واخترقت السحاب، وصولاً إلى هند وسوزان اللتين تسابقان الزمن تحت الأرض، تبقى المرأة المصرية جديرة بالثقة والريادة، ودائماً… في مقعد القيادة.



