تاريخ ومزارات

أمغار جبال الأطلس حكمة القبيلة وذاكرة المقاومة الأمازيغية

أمغار جبال الأطلس، تبدو جبال الأطلس في المغرب شامخة بعلوها، مزهوة ببياضها الآسر، تكتسي بالثلوج التي تحكي ألف حكاية وحكاية، ومن بين أشهر تلك الحكايات أسطورة العشق الخالدة بين إيسلي وتسليت، التي تحولت عبر الزمن إلى موسم سنوي للخطوبة والزواج في منطقة أملشيل الساحرة، حيث يفد الزوار من مختلف أنحاء العالم لاكتشاف سحر الجبل وعمق الأسطورة وروح المكان.

ما قصة أمغار جبال الأطلس

ولا تزال مناطق الأطلس الأمازيغية تحتفظ بجزء كبير من عاداتها وتقاليدها الضاربة في عمق التاريخ، والتي توارثتها الأجيال منذ آلاف السنين، فتتجلى في أنماط العيش اليومية، وفي اللغة واللباس، وفي منظومة القيم المرتبطة بالهوية، كما تحضر بقوة في طقوس الأعراس والعلاقات الاجتماعية، وفي المواسم والاحتفالات والكرنفالات الشعبية التي تشكل ذاكرة جماعية حية لا تزال تنبض في القرى الجبلية.

هذا الثراء الثقافي والاجتماعي، بما يحمله من أنساق عيش متفردة وتفاصيل إنسانية عميقة، جعل من القبائل الجبلية النائية بالأطلس فضاء ملهما للعديد من المخرجين المغاربة والأجانب، الذين وجدوا فيها مادة خصبة لتصوير أفلام روائية ووثائقية ومسلسلات، عالجت قضايا الطبيعة والوجدان، والأسطورة والخرافة، والطقوس الشعبية والفانتازيا، في ارتباط وثيق بالإنسان والمكان.

قبيلة أيت ويرة ذاكرة المقاومة وروح الأطلس

تعد قبيلة أيت ويرة بالقصيبة في إقليم بني ملال نموذجا أصيلا للحياة الاجتماعية الأمازيغية الأطلسية، فهي قبيلة متجذرة في التاريخ، غنية برصيدها التراثي والفني والإنساني، وتشكل دواويرها وقلاعها فضاء متكاملا لحفظ القيم النبيلة، وصيانة الأعراف الاجتماعية التي ورثها الأبناء عن الأجداد منذ مئات السنين.

ويبرز نظام أمغار كأحد أهم ملامح التنظيم الاجتماعي داخل القبيلة، حيث لا يمثل مجرد منصب اعتباري، بل يشكل نمطا متكاملا للحكمة الجماعية، وآلية لضبط العلاقات الاجتماعية، وترسيخ مبادئ العدل والتكافل، وحل النزاعات وفق أعراف راسخة تحترم الإنسان والمجتمع.

المخرج بوشعيب المسعودي، المعروف بتجربته الواسعة في الفيلم الوثائقي كمخرج وكاتب ومؤطر للورش السينمائية داخل المغرب وخارجه، وعضويته في العديد من لجان التحكيم، اختار أن يلج عالم قبيلة أيت ويرة من خلال شخصية أمغار، مقدما رؤية بصرية وإنسانية عميقة لهذا النموذج الاجتماعي الفريد.

فيلم أمغار جاء من فكرة رشيد الحجوي، ومن إنتاج شركة إبداع التي يديرها الطاهر العبدلاوي، وتم تصويره في عدد من مناطق قبيلة أيت ويرة بضواحي مدينة القصيبة الأطلسية، المجاورة لقبائل أمازيغية اشتهرت بمقاومتها الشرسة للاستعمار، وقد أنجبت أسماء خالدة في سجل النضال الوطني، من أبرزها موحا حمو الزياني وغيره من رموز المقاومة.

وتفخر قبيلة أيت ويرة بكونها مشتلا حقيقيا للأعمال السينمائية الوثائقية، خاصة تلك التي تناولت مرحلة الاستعمار والمقاومة، نظرا لما تزخر به من رموز نضالية بارزة، من بينهم المقاوم موحى أوسعيد الويراوي، الذي ظل رمزا للتضحية والدفاع عن الأرض والمقدسات، والحفاظ على الهوية والتماسك الاجتماعي، ولا تزال معركة مارامان شاهدة على بطولته وروح الفروسية والمجد الوطني المتجذر في ذاكرة الجبل.

السوق الأسبوعي خيمة الحكمة وفضاء القرار

يقدم فيلم أمغار صورة اجتماعية عميقة، ويشكل أيقونة قبلية للشجاعة والحكمة واتخاذ القرار الصائب، كما يبرز الدور الإنساني الذي يلعبه أمغار في إدخال الفرح على نفوس ساكنة الدواوير، وترسيخ قيم العدل والمساواة، ونبذ الظلم والتعسف، وفق أعراف ضاربة في القدم تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل.

وبمعالجة بصرية دقيقة، يسلط الفيلم الضوء على أحد أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية في قبائل الأطلس المتوسط، حيث تتقاطع هذه الأعراف مع أنماط مشابهة في بعض القبائل العربية، خاصة في ما يتعلق بمكانة شيخ القبيلة، ودوره المحوري في حل النزاعات، استنادا إلى مكانته الاعتبارية المبنية على الاحترام والنزاهة والشرف.

ويتقاطع دور أمغار في قبيلة أيت ويرة مع أدوار شيوخ القبائل في مناطق أخرى من المغرب، بما فيها قبائل الصحراء المغربية، حيث يعود إليه السكان لحل الخلافات بالطرق السلمية، والحفاظ على السلم الاجتماعي داخل الدواوير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى