مدينة شالي القديمة.. قلعة الطين التي تحدت الزمن في قلب صحراء سيوة
أسماء صبحي – في أعماق الصحراء الغربية المصرية، وبين الكثبان الذهبية والنخيل الممتد بلا نهاية، تقف مدينة شالي القديمة كأنها شاهد صامت على قرون طويلة من التاريخ الإنساني والعمران الفريد. وهذه المدينة التي شيدت في القرن الثالث عشر الميلادي ليست مجرد مباني طينية متهالكة. بل هي تحفة حضارية تعكس عبقرية الإنسان السيوي وقدرته على التكيف مع بيئة قاسية، وتروي حكاية مجتمع عاش في عزلة لعقود طويلة، محافظًا على هويته وثقافته الخاصة.
نشأة مدينة شالي
تأسست شالي عام 1203 ميلادية في عهد الشيخ “غريب”، حيث اتفق أهل واحة سيوة على بناء حصن يحميهم من الغارات القبلية المتكررة التي كانت تهدد الواحة. ولأن سيوة كانت بعيدة عن العمران وتعاني من ندرة المواد التقليدية للبناء. لجأ السكان إلى استخدام مادة محلية فريدة تسمى الكرشف، وهي مزيج من الملح والطين.
تتميز هذه المادة بصلابتها وقدرتها على التماسك في المناخ الجاف، مما جعل المدينة متماسكة لقرون طويلة. ومع الوقت أصبحت شالي مركز الحياة في الواحة. حيث ضمت منازل متلاصقة، شوارع ضيقة، مسجدًا، مخازن، أماكن للحراسة، وممرات معقدة مصممة بعناية لعرقلة دخول الأعداء.
عمارة استثنائية
يدهش الزائر لمدينة شالي منذ اللحظة الأولى، فالمباني تبدو وكأنها كتلة واحدة صاعدة نحو السماء، تتراص فوق بعضها بشكل يشبه الهرم الكبير. وبنيت معظم المنازل على عدة طوابق، وكان لكل طابق وظيفة محددة:
- الطابق الأرضي للتخزين وإيواء الحيوانات الصغيرة.
- الطابق الأوسط للسكن والمعيشة.
- الطابق العلوي للحراسة أو كمكان للنوم صيفًا لاعتدال الهواء.
يعكس هذا التصميم الفريد ذكاء المجتمع السيوي الذي استخدم أقل الموارد المتاحة لبناء مدينة كاملة قادرة على الصمود أمام الحرارة الشديدة نهارًا والبرودة ليلًا.
ليلة الأمطار التي غيّرت مصير المدينة
رغم صمودها لقرون، تعرضت شالي لحدث تاريخي في شتاء عام 1926. عندما ضربت أمطار غزيرة الواحة بشكل غير مسبوق، وتسببت في انهيار أجزاء كبيرة من المدينة. ومع أن السكان اضطروا إلى الانتقال إلى مناطق أخرى داخل الواحة. إلا أن بقايا شالي ظلت قائمة محافظة على ملامحها الأصلية، لتصبح واحدة من أهم المواقع التاريخية في مصر.
اليوم، تعد شالي مَعلمًا أثريًا عالميًا يجذب الباحثين والسياح من كل مكان للتعرف إلى تاريخ العمارة الطينية المتفردة.
القيمة الثقافية
لا يمكن الحديث عن شالي دون الإشارة إلى قيمتها الثقافية العميقة. فالمدينة ارتبطت بعادات وتقاليد خاصة لأهل سيوة، الذين عاشوا لسنوات في عزلة جعلتهم يحتفظون بلهجتهم الخاصة “السيوية” وعاداتهم القديمة.
في شالي كان الناس يتجمعون في الساحات لإقامة المناسبات ويحتفلون بالأعياد المحلية مثل “عيد السياحة” ويمارسون التجارة البسيطة داخل الأزقة الضيقة. كما كان جامع شالي مركزًا دينيًا وتعليميًا مهمًا ومكانًا لحل النزاعات وفق التقاليد السيوية الراسخة.
جهود الترميم
في السنوات الأخيرة، أطلقت الدولة المصرية ومؤسسات دولية برنامجًا لترميم مدينة شالي القديمة باستخدام نفس مواد البناء الأصلية. ويهدف المشروع إلى حماية الأجزاء المتبقية من الانهيار، إعادة إحياء بعض المنازل والمساحات الداخلية. تحويل شالي إلى مركز ثقافي تراثي، وجذب السياحة المستدامة التي تحافظ على خصوصية الواحة.
وقد أصبح المهرجان السنوي “سيوة في شالي” واحدًا من أهم الأحداث التي تجذب الزوار. حيث يجري استعراض الفنون الشعبية، الصناعات اليدوية، والحياة التقليدية.
سحر الموقع
زيارة شالي ليست مجرد نزهة، بل هي رحلة عبر الزمن. حينما يتجول الزائر بين الأزقة الضيقة ويشم رائحة الطين والملح، يشعر وكأنه يعود مئات السنين إلى الوراء. حينما كانت الحياة بسيطة لكنها مليئة بالترابط الاجتماعي والأمان داخل أسوار المدينة.
من أعلى نقطة في شالي، يستطيع الزائر مشاهدة الواحة كلها، بحيرات الملح، حقول النخيل، وجبال الرمال الذهبية، في لوحة لا تتكرر في أي مكان آخر.



