عادات و تقاليد

الوشم في صعيد مصر…  رموز من ماضٍ وتعبيرات ثقافية متوارَثة

 

 

كتبت شيماء طه

 

يُعدّ الوشم في صعيد مصر أحد مظاهر الثقافة الشعبيّة التي تحمل دلالات اجتماعية وتراثية عميقة. لم يكن مجرد زخرفة للجسم، بل أداة تعبير عن الانتماء، الحماية، الجمال، وربّما الخوف من الحسد أو العين. تعود جذور هذه الممارسة إلى عصورٍ قديمة، وتمتدّ عبر العصور الفرعونية حتى العصر الشعبي الحديث، مع تغيّرات في المعنى والأسلوب.

 

نشأة الوشم وصُوره التاريخية

 

أظهرت الدراسات أن الوشم كان معروفًا في مصر منذ آلاف السنين، إذ وُجدت على مومياوات ورسومات وعليها رموز مثل زهرة اللوتس، عين عين حورس، والحيوان كرمز للخصوبة أو الحماية.

في صعيد مصر، استمرّ الوشم بين النساء والرجال، خاصّة في المناطق الريفية والبادية، كجزء من التقاليد الشعبية.

كانت أدواته بسيطة: إبر رفيعة، أصباغ مستخلَصة من الفحم أو السناج أو مواد محلية، وكان يُدقّ أو يُنقّر الرسم على الجلد.

 

دلالات الوشم ورموزه في الصعيد

 

في صعيد مصر، يختلف معنى الوشم بحسب مكانه ورمزه:

 

دلالة الحماية والوقاية: هناك وشومات توضع للدلالة على الحماية من الحسد أو العين، أو كوسيلة تطمين أو تهدئة للأطفال، خاصة عند الصداع أو عند الخوف من بعض الأمراض.

 

علامة الجمال والتزيين: كانت بعض النساء تزين شفاهها السفلى أو ذقونَها بوشم أخضر أو خطوط، كجزء من الزينة التقليدية في القرى.

 

رموز الخصوبة والعُشيرة: في بعض الحالات تُرمَز وعلامة «النخلة» أو «السمكتين» إلى الخصوبة والحياة، وهي رموز قديمة نقلها الموروث الشعبي.

 

الانتماء العشائري أو القبلي: الرموز قد تمثّل طوطم العشيرة أو الرمز الذي يُعبّر عن القبيلة أو الجماعة، وهو شائع في المجتمعات التقليدية.

 

رموز دينية أو أمثال شعبية: مثل وشم مار جرجس والفارس على جواد، حيث استُخدم في بعض مناطق الصعيد كرمز للبطولة والنصر.

 

أنماط ومواقع الوشوم في الصعيد

 

كانت الوشومات تظهر عند النساء في منطقة الشفة السفلى، الذقن، اليدين، أو الأرزاق (أسفل القدم) أحيانًا.

 

عند الرجال، كانت بعض الرموز تُوضَع على الذراع أو الساعد أو الصدر، وتشير إلى دور المجتمع، أو ربما إلى ملاحم شعبية أو رموز شجاعة.

 

الأسلوب الفني بسيط وخطّي غالبًا، مع استخدام اللون الأخضر أو الأسود يُعدّ مميّزًا في بعض المناطق.

 

التغيّرات المعاصرة والتحديات

 

مع تغيّر نمط الحياة وامتداد الحداثة، تقلّ كثيرًا ممارسة الوشم التقليدي في صعيد مصر، لكن ما زالت بعض المناطق تحتفظ به كجزء تراثي. هناك أيضاً نقاشات حول العلاقة بين هذا الفن الشعبي والشريعة الإسلامية، حيث أن بعض الفقهاء يرون الوشم محرمًا، ما أثر على ممارسته.

كذلك، تغيرت أدوات وأساليب الوشم الشعبية، وقد دخلت أساليب حديثة بدل الطرق التقليدية، فاختلط القديم بالجديد.

 

إن الوشم في صعيد مصر أكثر من مجرد رسم على الجلد؛ إنه سجلّ حيّ لتاريخ مجتمعات، لممارسة الزينة والحماية والانتماء.

 

يحمل رموزًا ومعانٍ تعبّر عن ثقافة البادية والريف، عن الطقس اليومي، عن ارتباط الإنسان ببيئته وقيمه. ورغم أن هذا الفنّ الشعبي يشهد تراجعًا في ممارسته، إلا أنه يُعدّ جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية التي تستحق التوثيق والدراسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى