أسطورة حصار باريس والنورمانديين الذين خرجوا من رحم الفايكنج

في القرن التاسع الميلادي، ومع سماوات أوروبا الملبدة بالخوف، برز اسم الفايكنج كأكثر الغزاة رهبة وهيبة، هؤلاء المحاربون القادمين من سواحل إسكندنافيا القاسية ودنمارك البعيدة، اعتادوا أن يجعلوا الأنهار طرقهم المائية نحو المجد والنهب، سفنهم الطويلة تنزلق بصمت فوق نهر السين، لكنها تحمل خلف صمتها عاصفة من النار والحديد.
قصة أسطورة حصار باريس والنورمانديين
لم تكن باريس آنذاك مجرد مدينة، بل جوهرة مشعة على ضفاف النهر، محط أنظار الجميع، فكيف لا تكون غاية الفايكنج؟ على مدى سنوات عدة، تعرضت المدينة لأربع غزوات متتالية، حيث كان المحاربون الشماليون يتسللون في ظلام الليل، يضربون بلا رحمة، ينهبون الكنائس والأديرة، ويحيلون القرى إلى رماد، ومع ضعف ملوك الفرنجة وتشتت قواهم، لم يكن السلاح هو الحل، بل الذهب، فديات ضخمة دفعت مرارًا وتكرارًا لإبعاد هؤلاء الغزاة الذين لا يشبعون.
لكن عام 885 كان مختلفًا، إذ تحول تهديد الفايكنج إلى كابوس حقيقي ثلاثون ألف محارب أحاطوا بباريس كما يحيط الطوق بالعنق، حصار محكم جعل المدينة تبدو كعصفور في قبضة صقر جائع، اقتحم الغزاة الأسوار في عيد الفصح، سرقوا الكنوز وأشاعوا الرعب، وكأن الموت نفسه قد نصب خيمته بين أهل باريس، غير أن القدر كان يخفي ضربة غير متوقعة، فالطاعون اجتاح معسكر الفايكنج، فحصد أرواحهم كما لو كان جيشًا خفيًا يقاتل عن الفرنجة.
ورغم ذلك لم يتمكن الملوك من طردهم بقوة السيف، بل انتهى الأمر بدفع فدية مهولة بلغت سبعمائة جنيه من الفضة والذهب، أي ما يعادل أكثر من ألفين وخمسمائة كيلوغرام من الثروة، أخذ الفايكنج ما أرادوا، ورفعوا الحصار، لكنهم لم يغادروا تمامًا، بل استقروا في أرض جديدة عُرفت لاحقًا باسم نورماندي، ومنها حملوا لقب النورمانديين هناك، بدأ فصل جديد من التاريخ، حيث تحول هؤلاء الغزاة إلى أمراء وأسياد، تاركين خلفهم أسطورة لا تزال تروى عن قوة الفايكنج ورهبتهم التي زلزلت أوروبا.



