فنون و ادب

الدبكة السورية رقصة التراث وصوت الأرض النابض بالحياة

تعد الدبكة من أبرز وأشهر الرقصات الشعبية في منطقة بلاد الشام، ويستخدم مصطلح الدبكة للإشارة إلى مجموعة متنوعة من الحركات الإيقاعية الجماعية المتوارثة جيلاً بعد جيل، وتتشابه هذه الرقصات في الشكل العام وطبيعة الأداء، إلا أن كل منطقة تضيف طابعها الثقافي والبيئي عليها، ما يمنحها هوية محلية مميزة، وتعتبر سوريا من الدول التي تنتشر فيها الدبكة بشكل واسع ومتنوع، حيث تختلف الحركات والإيقاعات من منطقة إلى أخرى، ما يعكس عمق التنوع الثقافي الذي يميز البلاد، وتتنوع الدبكة بين الساحل والداخل، وبين شمال البلاد وجنوبها، وتُؤدى في مختلف المناسبات الاجتماعية كالأعراس والمهرجانات الشعبية والوطنية.

طبيعة رقصة الدبكة في سوريا

تعكس الدبكة السورية مفهوماً فنياً واجتماعياً في آنٍ معاً، فهي رقصة جماعية يصطف فيها الرجال أو النساء أو كلاهما جنباً إلى جنب في صف مستقيم أو منحني، وغالباً ما تُقام في الساحات أو المسارح الشعبية في القرى والبلدات، ويتميز أداء الدبكة بتناسق الخطوات والحركات، حيث تعتمد بشكل رئيسي على حركات الأرجل، مثل القفز والمشي وضرب الأرض بقوة الإيقاع، كما يحرص المؤدون على الحفاظ على التوقيت الدقيق لضربات الأقدام لضمان انسجام الأداء.

ولا يقتصر الأداء في الدبكة السورية على الأرجل فقط، بل يشمل حركة النصف العلوي من الجسم أيضاً، خصوصاً في مناطق الساحل السوري، حيث تتضمن الحركات رموزاً إيحائية تعبّر عن الفخر أو التحدي أو الانتماء، وعلى الرغم من أن الدبكة رقصة جماعية، إلا أن وجود القائد أو ما يعرف بـ”اللويح” يعتبر عنصراً أساسياً في تقديم الرقصة، وغالباً ما يكون من أمهر المؤدين وأكثرهم انسجاماً مع الإيقاع، يمسك هذا القائد مسبحة أو شالاً في يده، ويستخدمها للتلويح وتحديد توقيت الخطوات وتحفيز باقي المؤدين.

الآلات الموسيقية المرافقة للدبكة

ترتبط الدبكة السورية بمجموعة من الآلات الموسيقية التي تضفي على الرقصة طابعاً صاخباً ومميزاً، ويُعد الطبل الأداة الأساسية التي تنظم إيقاع الرقصة وتُبقي المؤدين منضبطين في توقيتهم، ويُستخدم إلى جانب الطبل كل من المجوز، الشبابة، البزق، وهي آلات نفخ شبيهة بالمزمار وتُنتج نغمات حادة وقوية تلائم طبيعة الدبكة، ومع تطور الزمن، بدأت الفرق الشعبية باستخدام آلات موسيقية حديثة مثل الأورغ والدرمز والكمان لإضفاء لمسات عصرية على الأداء دون التخلي عن الروح التقليدية للرقصة.

أنواع الدبكة السورية وتنوعها الإقليمي

تتعدد أنواع الدبكة السورية باختلاف المناطق والعادات، ويُطلق على كل نوع اسم خاص به يعكس خصوصيته وحركاته وإيقاعه. ومن أبرز هذه الأنواع:

  • الدبكة البرزية: تنتمي إلى منطقة اللاذقية وتتميز بضرب الأرض بعد الخطوة الخامسة، وتعد من الرقصات المحببة في الاحتفالات الشعبية.
  • الدبكة الهولية: تنتشر في جنوب سوريا، وتضرب فيها الأرض بالقدم في الخطوتين الرابعة والسادسة، وتتميز بتدرج إيقاعها من البطيء إلى السريع.
  • دبكة هالأسمر اللون: ترتبط بمدينة حلب وتؤدى بإيقاع سريع، وتُضرب الأرض في الخطوة الثامنة، وتشتهر بنغماتها الحماسية.
  • الدبكة الطرطوسية: تنسب إلى مدينة طرطوس، وتعد من أقدم أنواع الدبكات في سوريا، حيث تعود جذورها إلى الحضارة الآشورية، وتُضرب الأرض فيها بعد الخطوة الرابعة، ما يمنحها إيقاعاً متوازناً يعبّر عن عمقها التاريخي.

وتظهر هذه الأنواع مدى غنى الموروث الشعبي السوري، حيث لا تقتصر الدبكة على كونها رقصة فلكلورية، بل تعتبر تعبيراً عن هوية المجتمع وانتمائه وتواصله بين الأجيال، ويلاحظ أن لكل منطقة طابعها الخاص في اللباس والإيقاع والحركات المصاحبة، ما يجعل من الدبكة فناً شعبياً متجدداً ومتنوعاً.

الدبكة في الحاضر ودورها في إحياء التراث

في السنوات الأخيرة، حظيت الدبكة السورية باهتمام واسع على المستوى المحلي والعالمي، وشاركت فرق فنية تمثلها في مهرجانات دولية نقلت صورة عن التراث السوري إلى الخارج، وأصبحت الدبكة حاضرة في المدارس والمعاهد الثقافية والفرق الاستعراضية، بهدف الحفاظ على هذا الموروث الشعبي وإحيائه وتوريثه للأجيال القادمة.

كما تُستخدم الدبكة في المناسبات الوطنية لإظهار التلاحم الشعبي والفرح، وتُعد رمزاً للهوية السورية، لا سيما في ظل ما مرت به البلاد من تحديات، وتشكل الرقصة اليوم جسراً بين الماضي والحاضر، يربط الأجيال بجذورها ويمنحهم مساحة للتعبير الجماعي والتفاعل مع البيئة والمجتمع.

يذكر أن الدبكة السورية ليست مجرد رقصة، بل قصة شعب، ومرآة ثقافة، وتاريخ ينبض بالحيوية والإيقاع، يروي للأجيال كيف يمكن للبساطة أن تتحول إلى فن عريق يجمع الناس على صوت الأرض وضربات الأقدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى