اللواء عمر سليمان: صقر المخابرات وأيقونة العمليات السرية في مصر الحديثة
أسماء صبحي – في تاريخ الدولة المصرية قليلون هم من تمكنوا من الجمع بين الحضور العسكري الصلب، والدور الاستخباراتي المحترف، والتأثير السياسي البالغ. ويأتي اللواء عمر سليمان الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة، على رأس هؤلاء. رجل الظل الذي عرف دهاليز السياسة الدولية، وأدار ملفات الأمن القومي بأقصى درجات السرية والحسم. ليلقب عن جدارة بـ”ثعلب المخابرات” و”الصندوق الأسود” لنظام الرئيس حسني مبارك.
نشأة اللواء عمر سليمان
ولد عمر محمود سليمان في 2 يوليو عام 1936 في محافظة قنا بجنوب مصر، ونشأ وسط بيئة صعيدية تقليدية محافظة. والتحق بالكلية الحربية عام 1954 ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لعقود. وتلقى تدريبه في أكاديمية “فرونزي” العسكرية في الاتحاد السوفيتي. وحصل لاحقًا على درجتي ماجستير الأولى في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، والثانية في العلوم العسكرية.
شارك سليمان في عدد من الحروب الكبرى التي خاضتها مصر، أبرزها حرب اليمن، النكسة عام 1967، ثم نصر أكتوبر 1973. وفي فترة لاحقة، شغل مناصب بارزة في القوات المسلحة كان آخرها رئيس فرع التخطيط العام بهيئة العمليات.
صعوده إلى قمة جهاز المخابرات
في عام 1991، عين عمر سليمان مديرًا للمخابرات العسكرية، ثم تولى رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية عام 1993 خلفًا للواء نصحي خليل. وبقي في هذا المنصب حتى عام 2011 ليكون من أطول من شغلوا هذا الموقع، والأكثر تأثيرًا في الملفات الإقليمية والدولية الحساسة.
العمليات العسكرية والاستخباراتية
خلال فترة رئاسته للجهاز، برز اللواء عمر سليمان بوصفه قائدًا لسلسلة من العمليات الاستخباراتية والعسكرية المعقدة التي صنفت كثير منها سرية. لكن ما ظهر منها يكشف عن مدى براعة الجهاز تحت قيادته:
- مواجهة الإرهاب في الداخل والخارج
قاد سليمان حملات أمنية واستخباراتية موسعة ضد الجماعات الإرهابية خاصة خلال موجة العنف في تسعينيات القرن الماضي. وتم تفكيك عشرات الخلايا التي كانت تخطط لهجمات داخل مصر وخارجها. كذلك، عمل على ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة والجماعة الإسلامية في الخارج عبر تعاون وثيق مع وكالات استخبارات غربية.
- تفكيك شبكات تجسس إسرائيلية
شهد عهده ضبط شبكات تجسس تابعة للموساد في مصر ولبنان وسيناء في عمليات تم تنفيذها بدقة عالية. وكانت هذه الشبكات تعمل تحت غطاء شركات أو أفراد يحملون جنسيات مزدوجة، وتم إسقاطها بعد تتبع طويل وتنسيق إقليمي مكثف.
- الملف الفلسطيني وصفقة شاليط
برز سليمان كوسيط رئيسي بين حركة حماس وإسرائيل في صفقة تبادل الأسرى التي عرفت بصفقة “جلعاد شاليط”. حيث أدار مفاوضات شاقة انتهت بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي مقابل أكثر من 1000 أسير فلسطيني. كما قاد جهودًا متكررة للمصالحة بين فتح وحماس وأبقى قنوات الاتصال مفتوحة رغم تعقيدات الملف.
- سد النهضة والردع الاستراتيجي
في وقت مبكر، أدرك سليمان خطورة سد النهضة الإثيوبي، وكان من أوائل من حذر القيادة السياسية من مخاطره. وتداولت وسائل إعلامية لاحقًا أنه بعث برسائل تحذير شديدة اللهجة للجانب الإثيوبي مفادها أن مصر لن تسمح بالمساس بحقوقها المائية حتى لو تطلب الأمر عملية عسكرية لتدمير السد.
- تعاون استخباراتي دولي
أسهم سليمان في بناء شبكة علاقات قوية مع الأجهزة الأمنية الكبرى خاصة CIA والموساد والأجهزة الروسية. وشارك في عمليات مشتركة لمحاربة الإرهاب. كما شارك في عمليات استخباراتية استباقية في إفريقيا والشرق الأوسط لضمان أمن الدولة المصرية وحدودها.
نائبًا للرئيس في لحظة الانهيار
في ذروة ثورة 25 يناير 2011، وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، عين الرئيس مبارك عمر سليمان نائبًا لرئيس الجمهورية يوم 29 يناير. ولم تمر أيام قليلة حتى خرج في 11 فبراير ليعلن بنفسه تنحي مبارك عن الحكم. في بيان تاريخي أنهى 30 عامًا من حكم رجل كان صديقًا له.
وفاة اللواء عمر سليمان
توفي عمر سليمان في 19 يوليو 2012 بالولايات المتحدة أثناء تواجده هناك لتلقي الرعاية الطبية. حيث أكد مساعده حسين كمال، أن حالته الصحية كانت مستقرة وكان يخضع فقط لفحوصات دورية، إلا أن الوفاة جاءت بشكل مفاجئ وصادم.
وأشار مصدر مقرب من سليمان إلى أنه كان يعاني من مشكلات في صمام القلب. ما استدعى سفره إلى ألمانيا لإجراء سلسلة من الفحوصات الطبية الدقيقة. وبعد عودته تفاقمت حالته فجأة نتيجة ألم حاد في القلب. لينقل إلى مستشفى “كليفلاند” في الولايات المتحدة حيث لفظ أنفاسه الأخيرة هناك.
الأوسمة والتكريم
نال اللواء عمر سليمان عدة أوسمة رفيعة، منها:
- وسام الجمهورية من الطبقة الثانية.
- نوط الواجب العسكري من الطبقتين الأولى والثانية.
- ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة.
رحل عمر سليمان، لكن سيرته ما زالت حاضرة في أروقة المخابرات ودوائر الأمن الإقليمي. رجل حمل مفاتيح ملفات تتعلق بإسرائيل، وإيران، وحماس، والسودان، وأميركا، والجماعات الإرهابية. فلم يكن مجرد مدير لجهاز مخابرات، بل كان حارس البوابة الشرقية لمصر.



