شاب في عمر الزهور يواجه الجيوش وحده.. قصة جواد حسني الذي انتقم لمصر بدمه

في قلب حي جاردن سيتي المزدحم بالحيوية في القاهرة، وُلد جواد علي حسني يوم العشرين من إبريل عام 1935، وكان شابا يحمل في قلبه حبا عميقا للوطن وطموحا لا يعرف التوقف، بعد إنهائه للدراسة الثانوية عام 1952، اتجه نحو كلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث بدأت ملامح أحلامه تتشكل لمستقبل يتطلع إليه بكل أمل، لكن ما كان ينتظره لم يكن طريقا مهنيا تقليديا، بل مسارا سيحفر اسمه في وجدان التاريخ المصري.
من هو جواد حسني
في صيف عام 1956، دوى صوت جمال عبد الناصر في كل أرجاء مصر والعالم، حين أعلن تأميم قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو، القرار مثل زلزالا سياسيا هزّ القوى الاستعمارية، فقد كانت القناة أكثر من مجرد ممر مائي، بل رمز لسيادة مصر وعزتها، رفض البنك الدولي تمويل السد العالي بشروط مجحفة فرضتها كل من بريطانيا وأمريكا، وكانت تلك الشروط تهدف لإخضاع القرار المصري لكن عبد الناصر، بثقة شعبه، قرر أن تبقى مصر حرة، معلنا أن إيرادات القناة ستُمكّن الدولة من بناء السد بنفسها.
ما هي إلا أشهر قليلة حتى اجتمعت قوى الاستعمار في عدوان ثلاثي، شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، في أكتوبر من العام نفسه، بدأت طائرات العدو تقصف أرض مصر، وتحولت مدن القناة إلى ساحات معارك دامية في هذا الوقت، كان جواد حسني طالبا في سنته الأخيرة بكلية الحقوق، شابا لم يتجاوز الحادية والعشرين، لكن قلبه كان عامرا بالشجاعة والولاء، لم يستطع أن يقف متفرجا، فقرر الانضمام إلى مجموعة من الشباب شكلوا كتيبة للدفاع عن الوطن.
غادر جواد كتبه ومحاضراته متجها مع زملائه إلى جبهة القتال، وتحديدا إلى منطقة القناة حيث كانت المواجهات محتدمة، مساء الجمعة، السادس عشر من نوفمبر 1956، تلقى جواد ورفاقه أنباء عن إنزال لقوات كوماندوز أجنبية في مدينة السويس متجهة نحو بورسعيد، فهبوا للدفاع، حيث قاد جواد دورية استطلاعية مع الحرس الوطني في القنطرة، وتوغلت الدورية في عمق سيناء.
فجأة، واجهوا دورية إسرائيلية متمركزة عند الكيلو 39 على طريق الكاب شرق القناة، حيث اشتعل الاشتباك على الفور، وأطلق جواد نيران رشاشه بكثافة، لكن رصاصة غادرة أصابته في كتفه الأيسر أسرع رفاقه لإسعافه، وألحوا عليه بالعودة لتلقي العلاج، إلا أنه رفض وأصر على البقاء، قائلا إنه سيواصل حمايتهم بنفسه.
مع اقتراب الليل، تقدم جواد نحو الضفة الشرقية التي كانت تحت سيطرة القوات الفرنسية هناك، خاض اشتباكا مباشرا مع دورية فرنسية مستخدما رشاشه الذي كان يطلق 600 طلقة في الدقيقة، مما جعل العدو يتخيل أنه أمام وحدة كاملة، استغاثت القوات الفرنسية، فتقدمت قوة كبيرة لمحاصرته، لكنه لم يتراجع، حيث ألقى القنابل اليدوية وأمطر العدو بالنيران حتى أنهكه النزيف من جراحه، وبينما كانت المعركة على أشدها، سقط مغشيا عليه من شدة الدماء التي سالت من جسده.
اقترب الجنود الفرنسيون بحذر شديد، ظنا منهم أن جواد يمثل فخا، لكنهم وجدوا شابا غارقا في دمائه، يحتضن سلاحه ويقبض على قنبلة يدوية، نقلوه إلى معسكر الأسرى، وهناك بدأت معاناته من جديد، حاول قائد القوات الفرنسية استجوابه، لكنه لم يتحدث بأي كلمة يمكن أن تمس كرامة بلاده بدلا من الحديث، غمس إصبعه في جرحه، وكتب على الحائط بدمائه كلمات خلدها التاريخ.
كتب جواد على الجدار أنه طالب في كلية الحقوق، وأنه فوجئ بغزاة يهاجمون أرضه فقرر الدفاع عنها، وعبّر عن سعادته بأنه نال من أعداء الإنسانية، كما أضاف أنه داخل معسكر الأعداء ويتحمل أقسى أنواع التعذيب، وأن الحياة لا تهم بقدر ما يهم انتصار مصر وهزيمة المعتدين.
عجز العدو عن كسر صموده، فلجأ إلى الخداع أوهمه القائد الفرنسي بأنه سيُطلق سراحه، وأمره بالخروج من غرفة الأسرى، وفي الثاني من ديسمبر عام 1956، بينما كان يسير بثقة وهدوء، أطلق الجنود الفرنسيون النار على ظهره ليسقط شهيدا.
استشهد جواد حسني، لكنه لم يكن مجرد طالب في الجامعة، بل بطل حقيقي سطّر بدمه أروع صور الفداء، و كان عمره واحدا وعشرين عاما فقط، لكنه ترك وراءه درسا خالدا في الشجاعة والانتماء، قصة شاب أحب بلده حتى آخر نفس، ومات ليحيا الوطن.



