المزيد

هدية القدس للفرنجة من غير معركة… كيف ضاعت المدينة المقدسة بلا سيف ولا دم

في زمن اشتدت فيه الأزمات داخل السلطنة الأيوبية، واهتزت أركان الوحدة بفعل الصراعات العائلية، بقي إرث القائد صلاح الدين الأيوبي شاخصًا في ذاكرة الأمة، ذلك الذي حرر القدس عام 1187، وتركها أمانة في أعناق أهله بمصر والشام لكن بعد وفاته عام 1193، لم يتوقع أحد أن تسلم هذه المدينة التي ضحى لأجلها آلاف الشهداء للفرنجة بلا مقاومة ولا معركة.

كيف ضاعت المدينة المقدسة

في عام 1227، انفجرت الخلافات داخل البيت الأيوبي، حيث تصارع الأخوان المعظم عيسى حاكم دمشق والكامل محمد حاكم مصر، وكلاهما من أبناء العادل شقيق صلاح الدين، على الحكم. اشتعلت نار الفتنة بينهما، فطلب المعظم دعم الخوارزميين لحماية الشام، بينما اختار الكامل طريقًا مختلفًا تمامًا، هذا الرجل الذي وقف بشجاعة أمام الحملة الصليبية الخامسة، قرر أن يستعين بالإمبراطور فريدريك الثاني، صديقه القديم، وقدم له عرضًا صادمًا، القدس مقابل الدعم ضد أخيه.

وصل فريدريك إلى عكا عام 1228 بعد وفاة المعظم عيسى، ثم جلس مع الكامل وجرى بينهما اتفاق أثار الدهشة في الشرق والغرب، كما منح الكامل القدس للإمبراطور بشرط أن تظل أسوارها مهدمة، وأن يبقى الحرم القدسي خارج سيطرة الفرنجة، دخل فريدريك المدينة دون قتال، فكانت الصدمة كبيرة، واهتز وجدان المسلمين، وعلت أصوات العلماء والخطباء تهاجم الكامل، متهمينه بتضييع أمانة صلاح الدين.

 

استمر وجود الفرنجة في القدس خمسة عشر عامًا، إلى أن ظهر الصالح نجم الدين أيوب، الابن الأكبر للكامل، الذي حمل طموحًا كبيرًا لاستعادة المجد. بعد وفاة والده عام 1238، حاول انتزاع السلطنة، لكن عمه الناصر داود ألقى به في سجن الكرك لسبعة أشهر خرج الصالح بعد ذلك، وتوجه إلى مصر حيث تسلم الحكم عام 1240، في وقت كانت فيه الدولة الخوارزمية قد انهارت تحت ضربات المغول. استغل الصالح هذه الفرصة، وجذب المقاتلين الخوارزميين إلى صفوفه، فصنع منهم جيشًا شديد القوة.

عندما خرق الفرنجة الاتفاق، واستولوا على طبرية وعسقلان، وتمادوا بتدنيس قبة الصخرة، اشتعل غضب المسلمين. استثمر الصالح هذا الغضب، وحشد الخوارزميين في معركة ضارية عند غزة، حيث اجتاز عشرة آلاف مقاتل نهر الفرات، فحطموا جيوش الفرنجة وحلفاءهم من الشام،كما قُتل منهم خمسة آلاف، وأُسر كثيرون. فرّ الناصر داود من محيط القدس، وانسحب الفرنجة مهزومين تاركين المدينة.

دخل الخوارزميون القدس، لكنهم لم يتصرفوا كصلاح الدين، بل سفكوا الدماء، وأسروا النساء والأطفال، في مشهد قاسٍ لا يشبه رحمة القائد الذي سبقهم، ورغم قسوة المشهد، فقد عادت القدس إلى المسلمين، ودوى خبر استعادتها في أوروبا كما دوى سقوطها أول مرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى