حكاية الجملين “نبيل ومبروك” حاملي كسوة الكعبة من مصر إلى مكة

أميرة جادو
تحملت مصر منذ زمن بعيد مسؤولية تجهيز كسوة الكعبة المشرفة بشكل سنوي، حيث كانت تقوم بإعدادها بعناية فائقة ثم إرسالها إلى الأراضي الحجازية قبيل موسم الحج، في تقليد ديني راسخ استمر لسنوات طويلة.
موكب كسوة الكعبة “المحمل”
عرف موكب كسوة الكعبة باسم “المحمل”، وكان يحتل مكانة خاصة في وجدان المصريين، حيث كان يجوب شوارع القاهرة والمحافظات في أجواء احتفالية قبل انطلاقه في رحلته المقدسة إلى المملكة العربية السعودية.
ويتكون موكب المحمل من مجموعة من الجمال التي كانت مكلفة بحمل كسوة الكعبة، وكانت هذه القافلة تسير تحت إمرة “أمير الحج”، وتحيط بها الحراسة المشددة لحمايتها حتى تصل إلى وجهتها النهائية.
كما رافقت بعثة المحمل طواقم طبية تضم أطباء وصيادلة، وكان دورهم تقديم الرعاية الصحية والإسعافات الأولية اللازمة أثناء الرحلة الطويلة والشاقة التي تقطعها القافلة حتى تصل إلى الأراضي المقدسة.
رحلة البحث عن جملين قويين
في عام 1951، نشر تحقيق صحفي يتناول تفاصيل موكب كسوة الكعبة، خاصة ما يتعلق بالجملين اللذين عُهد إليهما مهمة حمل الهودج وصناديق الكسوة، وقد أُطلق عليهما اسما “نبيل” و”مبروك”، وتناول التحقيق تعليمات وزارة الزراعة المصرية التي وُجهت إلى الأطباء البيطريين بالبحث عن جملين يتمتعان بالقوة والقدرة على تحمل مشقة الرحلة.
وقد جاء هذا القرار عقب استئناف إرسال المحمل عام 1937، بعد توقف دام عشر سنوات بسبب حادثة وقعت في الأراضي الحجازية، حين تعرض موكب المحمل لهجوم من بعض الأعراب، ونتج عن ذلك خلاف سياسي تطلب وقتًا لتسويته بين مصر والسعودية. وبمجرد حسم الخلاف، عادت الكسوة مرة أخرى تسلك طريقها إلى بيت الله الحرام.
تمكن الأطباء من العثور على الجملين المناسبين، وابتاعتهما الحكومة المصرية بمبلغ كبير، غير أن الحظ لم يكن موفقًا بالكامل؛ إذ نفق أحد الجملين بعد خمس سنوات، فيما أصيب الآخر بمرض أقعده، مما تطلب إحالته إلى التقاعد، لتبدأ رحلة البحث مجددًا عن جملين جديدين تتوافر فيهما القوة والصلابة.
“نبيل ومبروك” جملين من أسيوط
نجح أحد الأطباء البيطريين في العثور على جمل أصيل في بلدة “الدوير” بمحافظة أسيوط، وتم التفاوض مع مالكه الشيخ همام علي، الذي أصر على الحصول على 120 جنيهًا ثمناً لجمله.
كما عقدت الحكومة صفقة أخرى مع مواطن يدعى عطية سوريال لشراء جمله بمبلغ 112 جنيهًا.
وأطلقت الحكومة على الجملين اسمين جديدين: الجمل “نبيل” والجمل “مبروك”.
العناية بالجملين
وضعت الحكومة خطة غذائية دقيقة للجملين “نبيل” و”مبروك”، اشتملت على تقديم كيلة فول جاف و14 آقية من التبن الفاخر يوميًا، وتكفل برعايتهما مستخدمان يتقاضي كل منهما أربعة جنيهات شهريًا، أحدهما اسمه الحاج علي خليل الرهيوي، والثاني السيد علي خليل، كانا يقوما بتريض الجملين يوميًا لمدة ثلاث ساعات في شوارع القاهرة، كما تم تعيين طبيب مختص لمتابعة حالتهما الصحية وسلوكهما.
75 قرشًا ثمن الحلاقة
كان من الضروري حلاقة الجملين سبع مرات في السنة، وكان حلاق الماشية يتقاضى 75 قرشًا عن كل حلاقة، وهو مبلغ كبير نسبيًا في ذلك الوقت، إلا أن الأمر لم يقتصر على الحلاقة، بل كان من متطلبات العناية بالجملين استخدام أوقيتين من المسلى البلدي لطلاء جسديهما بعد الحلاقة، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الحناء ومسحوق الكبريت، ليبدوا بمظهر لائق يتناسب مع دورهما المميز في خدمة بيت الله الحرام.



