قبائل و عائلات

جزيرة نورث سينتينل: قبيلة السينتينليون بين العزلة والتهديدات الحديثة

تقع جزيرة نورث سينتينل النائية في خليج البنغال، وتُعد موطنًا لقبيلة السينتينليون، إحدى أكثر الجماعات البشرية انعزالًا في العالم يعيش أفراد هذه القبيلة حياة بدائية، رافضين أي تواصل مع العالم الخارجي، مما يجعلهم عرضة لخطر الانقراض نتيجة لمحاولات الغرباء المتكررة للتواصل معهم.

تاريخ قبيلة السينتينليون

في أبريل 2025، حاول السائح والمؤثر الأمريكي ميخايلو فيكتوروفيتش بولاكوف الوصول إلى جزيرة نورث سينتينل، متحديًا الحظر الذي فرضته السلطات الهندية لحماية السكان المحليين، سبح بولاكوف إلى شاطئ الجزيرة، وأطلق صافرة لأكثر من ساعة لجذب انتباه أفراد القبيلة، وترك على الشاطئ صندوقًا يحتوي على مشروبات وجوز الهند، وسجّل لحظات زيارته بالفيديو، متجاهلًا التحذيرات بشأن خطورة التواصل مع هذه القبائل بسبب غياب المناعة لديهم ضد أمراض شائعة مثل الحصبة والإنفلونزا.

ألقت السلطات الهندية القبض على بولاكوف، في حادثة أعادت إلى الأذهان قصة المبشر الأمريكي جون ألين تشاو، الذي قُتل على يد سكان الجزيرة عام 2018، في مشهد مشابه يعكس النتائج الكارثية لمثل هذه المحاولات غير المسؤولة.

تضم جزر أندمان ونيكوبار العديد من القبائل المعزولة مثل “غريت أندامانيز”، و”جاروا”، و”أونغه”، و”السينتينليون”، و”نيكوباريز”، و”شومبن”، وقد تسببت محاولات التواصل السابقة مع هذه القبائل في كوارث حقيقية؛ إذ انقرضت قبيلة “جانغيل”، بينما تراجع عدد سكان قبيلة “أونغه” بنسبة تجاوزت الـ 85 بالمئة نتيجة انتقال الأمراض إليهم.

في هذا السياق، قال كالم راسل من منظمة “سيرفايفل إنترناشونال”، المعنية بالدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية المعزولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إن ما قام به بولاكوف يُعد خطيرًا للغاية، وأوضح أن قبائل مثل السينتينليون لا تملك مناعة ضد أمراض شائعة في العالم الخارجي، ولذلك فإن مجرد اقتراب شخص يحمل أحد هذه الفيروسات يمكن أن يؤدي إلى كارثة صحية تودي بحياة عدد كبير من أفراد القبيلة.

وأشار إلى أن السبب الرئيسي وراء سلوك الحذر والعداء الذي يظهره أفراد القبائل تجاه الغرباء هو الخوف من الأمراض التي قد يحملونها، والتي أثبت التاريخ أنها قادرة على إفناء مجتمعاتهم بالكامل، وأضاف أن هناك حالات سابقة لزوار قُتلوا على يد السكان المحليين، لأنهم اعتبروا أنفسهم في موقف دفاعي لحماية أراضيهم وهويتهم من التعدي الخارجي، مؤكدًا أن هذا الخوف لا يزال قائمًا حتى اليوم.

ووصف الدخول إلى الجزيرة دون إذن بأنه تصرف متهور وخطير وقاسٍ، داعيًا السلطات المحلية إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة لمنع تكرار مثل هذه التصرفات.

وفي حديثه عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، قال راسل: أن يقوم البعض بمخاطرة كهذه فقط من أجل الحصول على بعض الإعجابات على تيك توك أو زيادة عدد المشتركين على يوتيوب، فهذا تهديد كبير يجب أخذه على محمل الجد، وذكّر راسل بمقتل جون ألين تشاو، مؤكدًا أن السبب الرئيسي في تكرار مثل هذه الحوادث هو ضعف تطبيق القوانين القائمة، وأنه لو كانت القوانين تُنفذ بصرامة لما تمكن أمثال تشاو أو بولاكوف من الوصول إلى هذه المناطق المحظورة.

وتابع قائلاً: لا حاجة لأن نعرف أي شيء عن السينتينليون، كل ما يجب فعله هو تركهم يعيشون كما يشاؤون، هل تود أن يأتي غرباء إلى باب منزلك فجأة ويطرقونه أو يضربون نافذتك؟ هذا بالضبط ما يواجهه هؤلاء السكان، تخيل أن تكون في وضع صحي هش أو أنك تعيش مع أفراد كبار في السن من عائلتك، إنهم يواجهون الخطر ذاته يوميًا.

وأشار راسل إلى أن معظم ما يُتداول عن قبائل مثل السينتينليون في الإعلام وعلى الإنترنت عبارة عن شائعات ونظريات مؤامرة وأفكار مسبقة، تُغذيها عقلية استعمارية تنظر إلى هذه الشعوب على أنها متخلفة أو بدائية، وتمنح لنفسها حق اقتحام حياتهم لأغراض ترفيهية أو فضولية.

وأكد راسل أن كل محاولة تواصل مع قبائل معزولة تنطوي على احتمال وقوع كوارث، مشيرًا إلى تجربة عالمة الأنثروبولوجيا أنستيس جاستن، التي حاولت بين عامي 1970 و1990 التواصل مع قبيلة السينتينليون، لكنها كانت تُقابل في كل مرة بسهم يُطلق نحوها من قبل أفراد القبيلة، في إشارة واضحة إلى رفضهم لأي تقارب أو اقتراب من الغرباء.

وأضاف: السينتينليون لم يكونوا عدائيين بطبعهم، بل كانوا يدافعون عن أنفسهم وعن أرضهم، وهذا ما نراه بشكل متكرر في جميع القبائل المعزولة حول العالم، وأشار إلى أن أنستيس جاستن، التي كانت تؤيد سابقًا فكرة التواصل، أصبحت الآن من أبرز من يحذرون من خطورته، بعد أن أدركت أن نتائجه غالبًا ما تكون مأساوية وتفوق أي منفعة محتملة.

وشدد راسل على أن مجرد التفكير بأن للغرباء الحق في دخول أراضي هذه الشعوب دون إذن منهم، هو إعادة إنتاج مباشرة لذهنية استعمارية قديمة، لا تزال تجد لها مكانًا اليوم عبر أشكال جديدة من التعدي الثقافي والرقمي.

وفي ختام حديثه، دعا راسل وسائل الإعلام الدولية إلى تحمل مسؤولياتها في نشر الوعي حول قضايا الشعوب المعزولة، محذرًا من أن مصير قبائل مثل جانغيل، التي انقرضت بالكامل في أوائل القرن العشرين، قد يتكرر مع قبائل مثل السينتينليون، ما لم يتم احترام حقهم في العزلة والخصوصية والحياة بكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى