حوارات و تقارير

عطية قديس: رائد التصوير الوثائقي في الأقصر

أسماء صبحي

في قلب مدينة الأقصر، بين آثارها العريقة ومعابدها التي تتناغم مع ضوء الشمس. برز اسم عطية قديس كمصور فني استثنائي، تعتبر أعماله إرثًا منسوجًا من الخيوط الذهبية التي تحفظ تاريخ المدينة الغني. ورغم ما تحمله الأقصر من أهمية تاريخية وثقافية، فإن عطية قد نجح في إبراز تلك الأهمية من خلال عدسته. ليس فقط كمصور، ولكن كرائد فني استطاع توثيق لحظات حاسمة في تاريخ مصر.

مسار عطية قديس المهني

ولد عطية قديس عام 1889 في قرية الطود، التي تقع إلى الجنوب من مدينة الأقصر، وسط بيئة غنية بالتراث الثقافي والفني. ومنذ سن مبكرة، أظهر شغفًا شديدًا بالفن، خاصةً التصوير الفوتوغرافي. وفي السنوات الأولى من حياته، درس في مدارس الكنيسة المحلية التي كانت تضع الأسس التعليمية في قريته.

ومع مرور الوقت، أصبح التصوير جزءًا أساسيًا من حياته. في عام 1907. وانطلق عطية في عالم التصوير بعدما بدأ يتدرب في أستوديو المصور الإيطالي أنطونيو بياتو، الذي كان يعمل في الأقصر. ومع مرور الوقت، أصبحت عدسته ترى أكثر مما تراه أعين الآخرين.

توثيق تاريخ الأقصر

منذ أوائل القرن العشرين، أطلق عطية مشروعًا فنيًا غير مسبوق. حيث بدأ في توثيق الأحداث التاريخية الكبرى والمناسبات في الأقصر، بالإضافة إلى الحياة اليومية للناس. كما وثق العديد من المعالم الأثرية التي كانت تملأ المدينة، وبهذا الشكل أصبح عطية قديس أول من صنع أرشيف بصري شامل للحياة في الأقصر.

ومن أبرز أعماله توثيقه لعملية اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922. حيث كان حاضراً لالتقاط اللحظات الفارقة في الكشف عن تلك المقبرة التي غيرت وجه علم الآثار.

وتعد صور عطية من أندر الصور التاريخية التي تتحدث عن الأقصر في تلك الحقبة. حيث تكشف صوره مشاهد من داخل المقابر الملكية، وتوثق ملامح الزيارة الملكية والتفاعل بين العلماء والحكومة المصرية. بالإضافة إلى الحياة اليومية التي كانت تسير جنبًا إلى جنب مع تطور المدينة. كما كانت العديد من هذه الصور نادرة جدًا لدرجة أنها تعد مراجع هامة للباحثين والمؤرخين اليوم.

الإرث البصري

احتفظت عائلة قديس بأكثر من 1900 صورة نادرة ترصد الحياة في الأقصر والصعيد من أوائل القرن العشرين. وتتضمن هذه الصور ملامح المدينة وأثرها في الفترات الزمنية المختلفة، بدءًا من المعابد الفرعونية وصولاً إلى تغييراتها في القرن العشرين. وهذا الإرث التاريخي أصبح مرجعًا مهمًا للعديد من الدراسات الفوتوغرافية والأنثروبولوجية. إذ يعتبرها الكثيرون من المصادر البصرية الثمينة التي تتيح لنا فهم كيفية عيش المصريين في العصور القديمة وكيفية تطور المدينة على مر العصور.

ولم تقتصر العائلة على حفظ الصور، بل أيضًا قامت بتوفيرها للزوار والسياح المهتمين بتاريخ المدينة. كما تم عرض هذه الصور في العديد من المعارض العالمية. وأصبح بإمكان الزوار الاطلاع على هذا التاريخ الغني من خلال النسخ الأصلية أو المطبوعات المتاحة في الأستوديو التابع للعائلة.

تأثير عطية قديس على التصوير الفوتوغرافي

كان عطية قديس أحد المبدعين الذين فتحوا أبواب التصوير الوثائقي في مصر، وبالأخص في الأقصر. ففي وقت كانت التصوير الفوتوغرافي لا يزال في مراحل تطوره المبكرة. استطاع قديس أن يحقق توازنًا بين الفن والتوثيق، مما جعل صورته تمتاز بالقوة والتفاصيل الدقيقة.

ويمكننا القول إن عطية هو أحد من أسس التصوير الفوتوغرافي الاحترافي في مصر، ومن خلال أعماله. كما أرسى أساسًا لفن التصوير الذي يعبر عن ثقافة مصر وتاريخها العريق.

وقال الحاج صلاح هاشم، خبير السياحة وصديق العائلة، إن عطية قديس ليس مجرد مصور. بل هو مؤرخ بصري استطاع أن يترك وراءه مجموعة فريدة من الصور التي لا تقدر بثمن. كما كانت صوره جزءًا من تاريخ الأقصر، وكان له الفضل في التوثيق لحظات ذهبية من تاريخ هذه المدينة العريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى