المصلى القبلي في المسجد الأقصى.. معلم عظيم يحكي تاريخ القدس وحرائق الاحتلال
يعد المصلى القبلي أحد أبرز المعالم المعمارية والدينية داخل المسجد الأقصى المبارك، وهو المصلى الرئيسي الذي يتوجه إليه المسلمون عند الصلاة، ويقع في الجهة الجنوبية للمسجد باتجاه القبلة، ومن هذا الاتجاه اكتسب اسمه. يتكون المبنى من مساحة واسعة تبلغ نحو 4500 متر مربع، بطول يقارب 80 مترا وعرض يصل إلى 55 مترا، ويرتكز على 53 عمودا من الرخام و49 سارية مربعة الشكل، ويتسع حاليا لنحو 5500 مصل. يعلو المصلى قبة خارجية من الرصاص، وله 11 بابا تفتح على المسجد الأقصى.
تاريخ المصلى القبلي في المسجد الأقصى
كثير من الناس يعتقدون أن المسجد الأقصى يقتصر فقط على هذا المصلى المبني جنوب قبة الصخرة، لكن في الحقيقة المسجد الأقصى يشمل كل ما بداخل السور المحيط به. فالمسجد يمتد على مساحة تبلغ نحو 144 ألف متر مربع، ويتضمن إلى جانب المصلى القبلي كلا من قبة الصخرة، والمصلى المرواني، والساحات الواسعة، والمآذن، والقباب، والمصاطب، والأروقة، وأسبلة المياه، والحدائق، والمرافق الموجودة تحت الأرض وفوقها. كل هذه المعالم تشكل المسجد الأقصى كاملا، وتنعكس عليها بركة الصلاة ومضاعفة الأجر، كما أكد العلماء والمؤرخون.
بداية البناء والتطور عبر العصور
أمر الخليفة عمر بن الخطاب ببناء المصلى القبلي بعد فتح مدينة القدس عام 15 للهجرة، الموافق لعام 636 ميلادي. وكان البناء الأول مصلى بسيطا، ثم أمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بتوسيعه، وأكمل البناء ابنه الوليد بن عبد الملك في عام 705 ميلادي، حيث أصبح المصلى أكثر اتساعا وفخامة. لكن في عام 746 ميلادي دمر زلزال عنيف أجزاء كبيرة من المصلى، ما دفع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إلى إعادة البناء عام 754 ميلادي، ثم استكمل الترميم في عام 780 ميلادي.
وفي عام 1033 ميلادي تعرض المصلى القبلي لزلزال آخر دمر معظمه، فتدخل الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله وأعاد بناءه بطريقة جديدة تضمنت سبعة أروقة بدلا من خمسة عشر، لضمان تحمله للزلازل. احتفظ البناء حتى اليوم بمعالمه الأساسية من ذلك العهد، إذ يتكون من رواق أوسط كبير وثلاثة أروقة على كل جانب، وقبة داخلية من الخشب تعلوها قبة خارجية مغطاة بألواح الرصاص. ويبلغ طوله نحو 80 مترا وعرضه 55 مترا، وتبلغ مساحته نحو أربعة دونمات، ويتسع لآلاف المصلين.
أسس الخليفة عمر بن الخطاب البناء الأول للمصلى في موضعه الحالي على مستوى الأرضية الأصلية للمسجد الأقصى، والتي تنخفض عن مستوى الجامع القبلي الحالي باتجاه الوادي.
معالم متصلة بالمصلى القبلي
يتصل بالمصلى القبلي من الجهة الشرقية عدة معالم بارزة، أبرزها مصلى عمر، ومقام الأربعين، ومحراب زكريا. يقع مصلى عمر على الجهة الشرقية ويُعرف اليوم باسم جامع عمر، ويحتوي على بابين، أحدهما يؤدي إلى داخل المصلى القبلي والآخر يفتح على ساحة المصلى المرواني. من خلال مصلى عمر يمكن الوصول إلى مقام الأربعين أو مقام عزير، الذي يمتلك مدخلا آخر من ساحات المسجد. كما يوجد محراب زكريا في الجهة الشرقية أيضا، ويُعد من أجمل المحاريب في المسجد الأقصى، وقد سُمي بهذا الاسم نسبة إلى نبي الله زكريا عليه السلام.
الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة
رغم أن المسجد الأقصى يقع تحت الوصاية الأردنية الهاشمية، إلا أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تفرض سيطرتها الكاملة عليه، حيث تنتشر قوات الاحتلال على مداخل المسجد وتضع نقاطا عسكرية وأمنية تُضيق على دخول المصلين، كما يوجد مركز شرطة داخل باحاته. تمنع سلطات الاحتلال أعمال الترميم والإصلاح في المسجد، وتفرض نظام التقسيم الزماني والمكاني بين المسلمين والمستوطنين المتطرفين.
في يوم 21 أغسطس عام 1969، اقتحم متطرف أسترالي يُدعى دينيس مايكل روهان المسجد من باب الغوانمة، وأشعل النيران في المصلى القبلي، واستمر الحريق لمدة عشرين ساعة متواصلة. قطعت سلطات الاحتلال خلال ذلك الوقت المياه عن منطقة الحرم القدسي، ومنعت سيارات الإطفاء من الوصول إلى المكان، لكن المواطنين الفلسطينيين تصدوا للحريق وأوقفوا امتداده رغم المخاطر، وتمكنوا من إنقاذ ما تبقى من المسجد.
أسفر الحريق عن احتراق منبر صلاح الدين الأيوبي الذي أحضره من مدينة حلب بعد تحرير القدس عام 1187 ميلادي، بناء على أمر السلطان نور الدين زنكي، والذي اعتبره المسلمون رمزا للنصر والتحرير، وكان يتميز بجمال زخرفته وقيمته التاريخية العالية.
المصلى القبلي ليس فقط بناء معماري ضخم داخل المسجد الأقصى، بل هو شاهد حي على تاريخ طويل من الفتح الإسلامي، والحضارة المعمارية الإسلامية، ومقاومة الاحتلال، ما يجعله رمزا من رموز القدس وهويتها الإسلامية التي لن تنطفئ جذوتها مهما طال زمن الاحتلال.



