عادات و تقاليد

عادة الربوعة عند قبائل مطروح.. درع الأمان في مجتمع الصحراء

أسماء صبحي – في قلب الصحراء الغربية، حيث تمتد الرمال من مطروح حتى الحدود الليبية. تعيش قبائل عربية أصيلة حافظت على تراثها وعاداتها لقرون طويلة. ورغم تغير الزمن وتقدم الدولة لا تزال تلك العادات تمثل الركيزة الأساسية لتنظيم العلاقات الاجتماعية، وتسوية النزاعات، وحماية الأفراد. ومن أبرز هذه العادات عادة “الربوعة”، وهي عرف قبلي تقليدي يستخدم لضمان حماية أي شخص مهدد بالثأر أو الانتقام. أو لطلب مهلة من أجل التفاوض في القضايا المعقدة.

الربوعة ليست فقط نظامًا اجتماعيًا بل هي مرآة تعكس شهامة وكرم وأصالة القبائل البدوية. وتكشف عن منظومة قانونية وأخلاقية بديلة تطورت في بيئة نائية كانت تفتقر لسلطة الدولة زمنًا طويلًا.

مفهوم عادة الربوعة وأصلها

“الربوعة” في اللغة تعني اللجوء أو المكوث في مكان آمن، أما اصطلاحًا في عرف قبائل مطروح. فهي تعني حماية قبيلة أو عشيرة ما لفرد أو مجموعة أفراد لفترة زمنية محددة. وذلك من أجل فض النزاع، أو انتظار الصلح، أو لحماية النفس من خطر محدق.

وقد نشأت هذه العادة منذ مئات السنين في بيئة بدوية خالية من المحاكم أو مؤسسات الدولة. وكان لا بد من تنظيم العلاقات بين الأفراد والعائلات لضمان الاستقرار وعدم الانزلاق إلى دوائر دم لا تنتهي.

أنواع الربوعة

تتعدد أشكال الربوعة لدى القبائل، لكن أبرزها:

  • ربوعة الدم: وتستخدم لحماية القاتل من الثأر حتى تتمكن القبيلة من التفاوض لعقد صلح أو دفع دية.
  • ربوعة العرض: وتطبق في قضايا الشرف، حيث تمنح المرأة أو الرجل المتهم حماية إلى حين التحقيق في صحة الادعاءات.
  • ربوعة المال: إذا كان النزاع ماليًا أو مرتبطًا بملكية، يمكن طلب ربّوعة من أجل التفاوض دون تصعيد.

وتكون الربوعة دائمًا بطلب من الطرف الضعيف. ويوافق الطرف الآخر على منحها بناءً على وساطة “عقّال القبائل” أو الشيوخ الكبار.

إجراءات الربوعة

الربوعة لا تمنح عشوائيًا، بل تخضع لقواعد صارمة، منها:

  • تحديد المدة بدقة: وغالبًا ما تكون “أربعين يومًا” أو أقل بحسب نوع النزاع.
  • تقديم كفيل: يجب أن يضمن أحد كبار العائلة أو القبيلة طالب الربوعة. ويتحمل المسؤولية إن خالف الشروط.
  • حماية كاملة: يمنع تمامًا التعرض للشخص الواقع تحت الربوعة. ويعد الاعتداء عليه خرقًا للأعراف يستوجب غرامات ثقيلة.
  • احترام متبادل: يمنع على المستجير أن يغادر منطقة الحماية، أو أن يستفز الطرف الآخر.

وتدون شروط الربوعة أحيانًا في وثائق يوقع عليها الطرفان، خصوصًا في القضايا الكبرى.

قيمة عادة الربوعة في المجتمع القبلي

تمثل الربوعة عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الاستقرار داخل القبائل. خاصة في المناطق الحدودية أو النائية مثل مطروح حيث تعلي من شأن العقل والحوار على العنف والثأر.

وتحظى هذه العادة باحترام كبير من جميع القبائل. حتى أن خرق الربوعة قد يؤدي إلى “نقطة سودة” في سجل العائلة المعتدية وتصبح منبوذة اجتماعيًا.

ويقول الدكتور سعيد أبو العزم، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة الإسكندرية،إن عادة الربوعة تعد من أهم أشكال التنظيم الاجتماعي القبلي في مصر خاصة في مناطق مثل مطروح وسيناء. وهي ليست فقط وسيلة لحفظ الأمن، بل نموذج لقانون بديل يحكمه العرف والاحترام المتبادل. وقد أثبتت فعاليتها في حل النزاعات التي قد تعجز مؤسسات الدولة أحيانًا عن احتوائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى