حوارات و تقاريرقبائل و عائلات

قصة «الحبل السري» بين القاهرة وطرابس.. وتاريخ علاقات أقدم من الصحراء

ليبيا ومصر.. جسدان بقلب واحد

دعاء رحيل

حينما يئس الطليان من كسر شوكة الليبيين وتطويع قبائلها لتقبل الاحتلال الإيطالي والتعايش معه ووقف المقاومة، لجأ قادتهم إلى قطع «الحبل السري» الذي يغذي المقاومة الليبية بالعتاد والسلاح والعناصر وخطط حرب الصحراء، ويقصد هنا بالحيل السر طرق الامداد المصرية التي كانت تمد الدولة اليبية بكل ما تحتاجه لمقاومة المحتل الأجنبي، وبعد بناء السور الشائك على الحدود بين مصر وليبيا سقطت الأخيرة في قبضة الاحتلال الايطالي، متيؤكد هنا أن مصر وليبيا شعبان يربطهما قلب واحد ومصير مشترك..

في هذه الملف تقدم «صوت القبائل» لمحات من تاريخ العلاقات المصرية الليبية التاريخية بين الشعبين وعلاقات التقارب والمصاهرة بين قبئل البلدين على شريط الحدود وفي المناطق المتاخمة.

 

إخوة في الدم

انتشرت القبائل المصرية في صحراء غرب مصر من الإسكندرية في الشرق إلى مدينة السلوم غربا على الحدود المصرية الليبية ، وتمتد نفس القبائل في عمق ليبيا، فهي لا ترتبط بينهم فقط بالجغرافيا وعلاقات الجوار، ولكن أيضًا بالانتماء إلى زواج القبائل المصرية مع الليبيين والعكس بالعكس، لأنهم يشتركون في العادات والتقاليد البدوية، وقد انعكس ذلك على الجانبين، واقفين معا في الأزمات والشدائد والثورات التي أدت إلى مزيد من الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية الاستراتيجية في غرب مصر.

 

والزواج بين قبائل مطروح وليبيا قديم، وبدأ الرأي العام في التعرف عليها في الأربعينيات من القرن الماضي، في ضوء أوجه التشابه بين العادات والتقاليد بين القبائل هنا وهناك، وزادت روابط هذه العلاقات الاجتماعية في التسعينات بزواج القبائل الليبية من المصرية، جنبا إلى جنب مع أقارب شباب من مطروح في ليبيا، بدأوا أيضا في ترشيح الفتيات الليبيات للزواج من مصريين والعكس، حتى أصبح الزواج بين الطرفين أمرًا طبيعيًا بين هذه القبائل، وعززت هذه الزيجات العلاقات الشعبية، وتأسيس قنوات لتسهيل حل المشاكل الأسرية بين زيجات الطرفين، وتوسعت القضية لتشمل مشاكل أخرى غير عائلية ، على سبيل المثال ، ذهاب بعض أفراد القبيلة إلى ليبيا للتدخل في حل أي مشاكل مع القبيلة تتعلق بالمصاهرة.

 

أشهر القبائل

 

قبيلة أولاد علي: وهي قبيلة مكونة من أكثر من مليوني شخص وتتعدد أسماؤهم، وتنقسم بشكل رئيسي إلى قسمين: “أبناء علي الأحمر” برئاسة قبائل القنايشات وأولاد علي الأبيض” بقيادة قبائل العزائم، بينما تشتمل على “أولاد عليّ” قبائل فرعية أخرى وهي “الهوارة، والزنالكة، والقواسم، والعوامي، وماضي، والحمام، والعاصم، والسناجرة، والأخشيبات، والشراسات، والحويتية، والحنيش”.

 

 

وانتشرت هذه القبائل من سيدى برانى فى مطروح، الواقعة بالقرب من الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، إلى دمنهور التابعة لمحافظة البحيرة، وسط دلتا مصر، ومناطق مثل العامرية وكينج مريوط، غرب الإسكندرية، كما انتشرت في محافظة الجيزة والغرب والشرق، وهاجرت قبائل «أولاد علي» من ليبيا عام 1670م، بعد الصراع مع قبيلة الحربي في جريدة حبيب المعروفة تاريخيا، ومن المعروف أن قبائل أولاد علي هي الذراع الأيمن للحكومة وتم استدعاؤها إليها في المنطقة، وقبيلة “أولاد علي” لها العديد من الأنشطة التي يشارك فيها مع الحكومة في مختلف الجوانب الاجتماعية والسياسية للدولة.

 

 

 

قبيلة حبون

يرجع أصل هذه القبيلة إلى الجد عبد السلام بن مشيش، وأنجب مشيش صبي أسماه حسن، انتقلت هذه القبيلة إلى ليبيا في القرن الخامس عشر وتعيش في منطقة الباطن ، وتجدر الإشارة إلى أن نجع حبون مشهور جدًا على الحدود بين مصر وليبيا، وفرع القبيلة متجذر في الصحراء الغربية، ولهم جذور في محافظتي الإسكندرية والبحيرة، وأشهر عوائلهم هي «الأعمى»، نسبة إلى جدهم ، خليفة الأعمى ، وذريتهم «موسى غيضان وعثمان ومسعود»، ولديهم أيضًا فروع في عائلة رشاش في حوض عيسى في مناطق برج العرب، الطرح ، سيدي براني، بالإضافة إلى مناطق بمحافظة البحيرة.

 

 

قبيلة البراعصة

اندلعت مظاهرات قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا احتجاجا على القذافي، وأشهر عائلات البراعصة فى ليبيا هي (مأزق ، الصيفاني ، حدوث ، مقرب ، الخضراء)، والأخيرة تعيش في مصر منذ حوالي 150 عامًا، تنقسم قبيلة البراعصة إلى ثلاث عائلات كبيرة هي (طامية والمساعيد وحسين).

 

 

 

قبيلة العزازمة

وهي من أهم القبائل في صحراء النقب، فقبل صحراء النقب لم تكن هناك حدود ، وجزء من الحدود كان في شبه جزيرة سيناء، وجزء منها في فلسطين المحتلة، وتناثرت منازلها في جميع أنحاء البلاد ، وفي الحرب التركية البريطانية عام 1910 تم رسم الحدود الخلفية بحيث يمكن تقسيم العزازمة إلى قسمين داخليًا.

 

 قبيلة الفواخر

هي قبيلة ليبية قديمة تنتمي إلى النبلاء الذين عاشوا في مدن مثل أجدابيا وسلوق والبايدن وكان لها تأثير قوي على الحدود الليبية المصرية، وتتميز هذه القبيلة بحفظ القرآن الكريم وتعليمه للقبائل الأخرى، وتشتهر بإطعام الإبل والعيش في الصحراء وزراعة الأرض، على الرغم من أنهم يعيشون بشكل أساسي في الصحراء، إلا أنهم معروفون بوجود العديد من العلماء والمهندسين والفقهاء، وأشهرهم عالم كبير في ليبيا الشيخ عيسى الفخري تخرج من الأزهر منذ أكثر من 100 عام.

 

تبادل الزيارات

 

كشف الباحث محمد الشريف الباحث في الشأن الليبي، أن قبائل مطروح في ليبيا تمتد إلى منطقة أجدابيا الليبية ، مثل قبيلتي المنفة والقطان ، وتنتشر القبائل نفسها على الجانبين ويشاركان الأفراح والأحزان، لافتا أن الوفود بين الجانبين من مطروح لأجدابيا والعكس تحت رعاية الدولة، وتجلس مع القبائل الليبية ، وإذا كانت هناك مشكلة يتم استيعابها وحلها بما يرضي جميع الأطراف، مؤكدا أن شطرا القبيلة يتشاركان نفس العادات والتقاليد والملابس والطعام والشراب، وإذا نشأت مشكلة في رعايتهم، يزورهم وفد من القبائل الليبية للمصالحة، ويتم تشكيل لجنة مصالحة للبت في حل المشكلة ودفع الدم، وما يؤدي إلى المصالحة ، وعلى كلا الجانبين هناك بعض المشاكل التي تٌدفع لها الدية في حال وقوع حوادث ووفاة أشخاص هنا وهناك، أما إذا كان المتوفى قاصرًا ، سيحصل على تعويض ويجب دفع أموال الدم ، مما يعكس الكرم والتسامح والاحترام والاعتراف.

 

 

وأشار الشريف، إلى العلاقات الطيبة والزواج بين القبائل على الجانبين يخدم المصلحة العامة لكلا البلدين، والتعاون المثمر بين الجانبين، كما كان الحال خلال الفوضى الأمنية في الثورات العربية، مضيفا «وجدنا التضامن مع أبناء القبائل المصرية والليبية واتصالات على أعلى مستوى لمنع دخول العناصر المخربة التي تحاولَ الإضرار بأمن الوطن، كما يوجد تنسيق على مستوى السلوم حيث إذا وجد أي عنصر يظهر علامات الشك، أو أنه يشكل تهديدًا لأمن الوطن يتم إخطار السلطات الأمنية على الفور للقيام بالإجراءات اللازمة».

 

 

 

وأضاف، الباحث أن العلاقات بين الزواج والنسب تجعل القبائل الليبية متيقظة للحفاظ على الأمن في الأراضي المصرية والعكس بالعكس في ليبيا ، كما أن القبائل الليبية تُبَلغ سكان هذه القبائل على الجانب المصري بأي تحركات مشبوهة أو نوايا شريرة تزعزع السلام والأمن، وتؤثر على الأمن القومي، حقيقة أن المصير أصبح واحداً، واستفاض «نحن نقدر دور أجهزتنا الأمنية ، التي لا تنتهك أي معلومات وتعامل القبائل بروح الوطنية، وهذا يشجع على التعاون المثمر والبناء ووقوف جميع القبائل وراء القوات المسلحة».

 

 

وأكد الشريف، أن الأنساب المشتركة بين ليبيا ومصر تكثف وتنشط الاقتصاد والتجارة اللتين تعتمدان على الثقة المتبادلة بين الأفراد على الجانبين وتلبية احتياجات الأسواق، وفي هذا السياق تُصدر البضائع التي يحتاجها السوق الليبي، مثل الفواكه والخضروات اليومية، فضلاً عن المنتجات الغذائية والبناء المختلفة، واستيراد متطلبات السوق المصري.

 

 

واستكمل الباحث الشهير أنه ليس من المستغرب أن معظم المعاملات التجارية تقوم على الثقة أكثر من الصكوك والوثائق التي أثرت على القبائل المصرية في الجانب الليبي، والارتباط الوثيق مع الجانب الليبي يلتقي بعشم من قبائلنا في كثير من الأمور، وكشف أن علاقات الزواج عززت العلاقات بين البلدين ، وقائلاً إن “أمن مصر هو أمن ليبيا ، وبالمقابل فإن أمن ليبيا هو أمن مصر”.

 

 توافق ثقافي

 

من جهته قال الباحث مصطفى صلاح، الخبير في  العلاقات الدولية، إن هناك علاقات صهر ونسب بين القبائل العربية بصورة عامة وبين القبائل المصرية والليبية بحكم التجاور الجغرافي بينهما، وهذه العلاقة ساهمت بصورة كبيرة في تعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى الانعكاسات السياسية والأمنية، وهذه الروابط تم الاستفادة منها من جانب الدولتين في التوافق حول الكثير من وجهات النظر المختلفة تجاه الأوضاع الداخلية القديمة والحالية، ويمكن الإشارة إلى أن المدن الساحلية المصرية القريبة من الحدود الليبية تتداخل مع القبائل الليبية حتى أصبحت مدن كبيرة في ليبيا ومصر تتداخل مع بعضهما بالقرابة مثل مدينتي الإسكندرية والبحيرة في مصر ومدينة بني غازي في ليبيا، وهو ما ساهم في توثيق الترابط المتبادل بين البلدين وقد لعبت القبائل في كل من مصر وليبيا في تعزيز هذه الروابط، والتي من خلالها تداخل الأمن القومي لمصر وليبيا حتى أصبح الجانبين امتدادا لبعضهما البعض في الحفاظ على أمنها القومي، وهو الأمر الذي ظهر بصورة واضحة مع إعلان القبائل الليبية قبول الجهود المصرية الهادفة إلى تسوية الأزمة الليبية، كامتداد لخط الدفاع عن أمنها القومي في مواجهة التدخلات التركية.

 

وأكد صلاح، أن هذا الأمر يعكس عديد من المؤشرات في فهم دوافع هذا التأييد من جانب القبائل الليبية للسياسة المصرية، لعل أبرزها أن هناك توافقا داخليا بصورة كبيرة على المساع الحثيثة التي تبذلها القاهرة في دعم التسوية السياسية، بالإضافة إلى أن تدخلها في الأزمة الليبية لا يمكن أن يتشابه مع التدخل التركي الهادف لزيادة أمد الصراع وجلب المرتزقة والميليشيات المتطرفة، للسيطرة على مقدرات ليبيا السياسية والاقتصادية والعسكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى