مرأه بدوية

الست حسن شحاتة: سيدة الصعيد التي تحدت التقاليد وصنعت التغيير

أسماء صبحي – في عمق صعيد مصر حيث تتجذر العادات والتقاليد في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية. لم تكن المرأة تملك سوى مساحة محدودة من الحضور في المشهد العام. ومع ذلك ظهرت شخصيات نسائية نادرة كسرت هذا الحصار. وكان من أبرزهن السيدة حسن شحاتة التي لقبت لاحقًا بـ”نفرتيتي الصعيد” لدورها الملهم في النهوض بالتعليم وحقوق المرأة في محافظة قنا خلال القرن العشرين.

نشأة الست حسن شحاتة

ولدت حُسن في أوائل القرن العشرين بقرية “دشنا” بمحافظة قنا لعائلة متوسطة الحال تعمل بالزراعة. ومنذ صغرها أبدت شغفًا غير معتاد بالعلم وهو ما دفع والدها لتعليمها القراءة والكتابة. في وقت كان يعد فيه تعليم الفتاة “عيبًا” في نظر كثيرين. لكنها لم تكتفي بالقراءة فقط، بل بدأت بتعليم الفتيات الأخريات في قريتها من منزلها.

مع انعدام المدارس المخصصة للفتيات في القرى الصعيدية آنذاك، افتتحت الست حسن فصلًا دراسيًا داخل بيتها. تعلم فيه البنات القراءة والقرآن والحساب إلى جانب دروس في النظافة والصحة العامة والتطريز. حاربت التقاليد الرافضة لخروج البنات من البيوت وكانت تخاطب الآباء والأمهات بكل شجاعة قائلة: “الجهل هو اللي هيخلي بناتكم ضعيفات. العلم حصنها ضد الحاجة والمهانة.”

في سنوات لاحقة، ساهمت في الضغط على مشايخ القرى وزعاماتها المحلية لإنشاء مدرسة رسمية للبنات. وهو ما تم بالفعل منتصف الأربعينيات لتصبح قريتها من أوائل القرى في قنا التي شهدت انتظامًا لتعليم الفتيات.

النشاط المجتمعي

لم يكن التعليم هدفها الوحيد، فقد قادت الست حسن مبادرات توعوية حول الزواج المبكر، وحقوق الزوجة، وضرورة تمكين المرأة في العمل الزراعي. كما كانت تنظم لقاءات أسبوعية للسيدات في بيوتهن، تناقش معهن مشاكلهن. وتقدم لهن حلولًا مبنية على الدين والعقل، مما أكسبها احترام الجميع.

ويقول الدكتور فتحي عبد الرحيم، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة جنوب الوادي، إن الست حسن شحاتة تعد من أوائل النماذج النسوية في الصعيد التي مارست التغيير من داخل المجتمع دون اصطدام مباشر مع تقاليده. كما استخدمت أدوات بسيطة لكنها فعالة ونجحت في ترك بصمة حقيقية على أكثر من جيل.

اليوم، وبعد مرور أكثر من سبعين عامًا على نشاطها، لا تزال نساء قريتها يرددن اسمها بفخر. ويعتبر بيتها “مزارًا رمزيًا” لكل من تسعى للعمل المجتمعي. كما أطلقت مؤخرًا مجموعة من الشابات في قنا مبادرة بعنوان “ستاتنا زمان” لتوثيق سيرة النساء الرائدات في الصعيد. وكان من أوائل الأسماء التي جمعت عنها شهادات شفوية هي الست حُسن شحاتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى