كتابنا

عبد الحليم قنديل يكتب..

العائدون إلى أفغانستان

لم يكن ما جرى ويجرى فى أفغانستان مفاجئا لأحد، اللهم إلا للغافلين والذاهلين، الذين ينتظرون تدفق الأخبار الساخنة على الشاشات، فقبل نحو ستة شهور، وبالضبط فى صباح السبت 8 مايو 2021 ، نشرت فى نفس هذا المكان مقالا بعنوان (وجعنا الأفغانى) ، قلت فيه بالنص “إن نصف أراضى أفغانستان تحت سيطرة حركة طالبان، التى تتأهب للزحف إلى المدن الكبرى مع انسحاب الأمريكيين، واقتلاع الحكومة الفاسدة الهشة الموالية للأمريكيين”، وختمت المقال وقتها بالنص أنه “مع توقع عودة الحروب الدينية إياها فى أفغانستان، وعلو كعب حركة طالبان من جديد، وفهمها القبلى البدائى الصحراوى لعقيدة الإسلام ، وإتاحتها لبيئة تفكير جاذبة لجماعات الإرهاب الوافدة، فلا نستبعد أن يعود وجعنا الأفغانى للنزف من جديد، وأن يتجدد إيقاع الحملات الأفغانية، وأن تتلقى الدعم القديم ذاته من المخابرات الأمريكية، وبهدف حرق أفغانستان ذاتيا، حتى لا تستفيد الصين المنافسة بامتيازاتها الجغرافية، وجعل أفغانستان مملكة ذهبية لجماعات التطرف المشوه للإسلام القاتل لمستقبل المسلمين”.

وكانت الإشارة فى صلب المقال ظاهرة إلى “جماعات إرهاب وتخلف همجى، تلقت دروس القتل وفنونه فى جبال أفغانستان، ونشرت الدم والفوضى فى كثير من الأقطار العربية، ولم تفكر أبدا فى الذهاب لقتال مع كيان الاحتلال الإسرائيلى، وهو العدو الأقرب إلينا من حبل الوريد، بل كانت دائما عونا لإسرائيل بالقصد أو بدونه، وقتلت من العرب والمسلمين أضعاف أضعاف ما قتلت إسرائيل، ولعبت أدوارا خفية فظاهرة فى تدمير عدد من الأقطار العربية، وبدعوى طلب (خلافة) موهومة، لا تعدو كونها سبيا وخرافة وجهلا وقطعا للرءوس، وقطعانا تتلاعب بها أجهزة مخابرات إقليمية ودولية، تلوث سيرة الثورات العربية المعاصرة، وتحولها إلى محارق وقبور وحروب دمار شامل، ونشر للتخلف الطائفى وتزوير للإسلام” .

إلى هنا انتهى الاقتباس الطويل المرير القديم الجديد، ومن دون أن ينسى أحد دور نظم حكم عربية فى صناعة الكارثة، التى بدأت ملامحها فى التكاثر من أواخر سبعينيات القرن العشرين، كانت أفغانستان وقتها توالى دورات جحيمها، وتواجه غزوا للسوفييت دعما لحكومة الحزب الشيوعى فى “كابول”، وكانت فصائل الشيوعيين الصينية والسوفيتية تتقاتل فيما بينها، ودخل “الجيش الرابع” الروسى لنصرة الموالين لموسكو، ووجدتها واشنطن فرصة لإلحاق هزيمة ماحقة بالاتحاد السوفيتى، تشبه هزيمة أمريكا قبلها فى فيتنام على يد الثوار الشيوعيين، ولم يكن مستساغا لأمريكا أن تتدخل بوجهها الأصلى القبيح المنفر للشعوب، واستعارت قناعا إسلاميا “جهاديا”، جندت له أتباعها فى المنطقة العربية بالذات، بدءا من ممالك الخليج، التى قدمت غطاء دينيا سلفيا وهابيا، اعترف الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودى فيما بعد، أنه كان مأمورا به من أمريكا والغرب، إضافة لمليارات الدولارات من فوائض العوائد البترولية، ولعب نظام الرئيس السادات وقتها دوره المرسوم أمريكيا، فقد كانت أجهزة الإعلام المصرية الرسمية تصف السادات وقتها بأنه “الرئيس المؤمن”، وزاد الإلحاح على الوصف مع انقلاب السادات على خط جمال عبد الناصر بعد نهاية حرب أكتوبر 1973، واستعانة السادات بجماعات اليمين الدينى، من الإخوان وغير الإخوان، المدعومين بأموال البترول الخليجى، بهدف حصار التيار الناصرى، إضافة لدعم أجهزة أمن السادات السخى لما كان يسمى بالجماعات الإسلامية، وإلهاء الناس باحتراب دينى وتطاحن طائفى، يكون تمويها مناسبا لتقدم إلى الصلح مع العدو الإسرائيلى، وعقد ما يسمى “معاهدة السلام”، ووجد السادات فى قصة “الجهاد الأفغانى” فرصته للخروج من حصار بالداخل، وتلقف أوامر ورغبات المخابرات الأمريكية بحماس، وفتح منابر الإعلام والمساجد لحشد وتعبئة الشباب “الإسلامى”، وتسفير قوافلهم إلى أفغانستان، واستضاف وفودا من قادة ما يسمى الجهاد الأفغانى فى قريته “ميت أبو الكوم”، وتعهد لهم علنا بفتح مخازن السلاح المصرى لصالحهم، وإلى غيرها من وقائع مسجلة بالصوت والصورة ومذاعة على العالمين، ولم يعش السادات حتى يرى بأم عينيه نتائج ما صنعت يداه، فقد اغتالته الجماعات (الإسلامية) نفسها على منصة العرض العسكرى فى 6 أكتوبر 1981، ومن دون أن يشفع له قيامه بما هو أقرب لدور “المؤسس الثانى” لجماعة الإخوان، الذى لعبه بإخلاص دعما لمصالح حكمه فيما تصور، ومات السادات، بينما كانت الظاهرة (الجهادية) إياها تنتفخ فى أفغانستان، التى انتهت من الحرب ضد الغزو السوفييتى عام 1989، لتبدأ بعدها الحرب الضارية بين الجماعات “الإسلامية ” الأفغانية، وعلى مدى سبع سنوات، بدا مع نهاياتها، أن السلطة فى “كابول” آلت إلى ما كان يسمى “الجمعية الإسلامية” بزعامة برهان الدين ربانى، وإن نازعته على السلطة جماعة الإخوان الأفغانية، التى حملت وتحمل لليوم اسم “الحزب الإسلامى” بزعامة قلب الدين حكمتيار، وإلى أن اقتلعتهما معا “حركة طالبان” الشابة المدعومة من المخابرات الباكستانية، واحتكرت السلطة لنفسها بعد حرب العامين (من 1994 إلى 1996) ، وأقامت إمارتها “الإسلامية” لمدة خمس سنوات بعدها حتى الاحتلال الأمريكى، ومن دون إنجاز يذكر، اللهم إلا هدم تمثالين لبوذا فى منطقة “باميان”، وجعل أفغانستان مأوى آمنا لجماعات عرفت بالمجاهدين العرب، الذين أفرخوا عشرات من جماعات الإرهاب، حمل أغلبها إعلاميا صفة “العائدون من أفغانستان”، راحت تعيث فسادا وقتلا وتخريبا فى بلاد المسلمين والعرب، ومن دون توجيه طلقة رصاص واحدة لكيان الاحتلال الإسرائيلى .

والخطر نفسه قد يتجدد الآن، ومع حلول مواسم العائدين إلى أفغانستان هذه المرة، وبصرف النظر عن قسم مغلظ يردده قادة “طالبان” الجدد، يعدون فيه بعدم إيواء جماعات إرهاب، وبانتظار الأفعال بعد الأقوال، فلا يصح لأحد أن يخلط بين شيئين متمايزين، الأول هو “الإرهاب”، الذى لا يصح التسامح فيه، ولا إنكار أدوار النظم العربية نفسها فى صناعة وتوليد مآسيه، قبل ظهور طالبان وبعده، والشيء الآخر الذى لا يصح الجدال فيه، هو حق الشعوب المطلق فى مقاومة الاحتلال وهزيمته، ومن حق الشعب الأفغانى طبعا، أن يفخر بهزيمة احتلال أمريكى اتصل لعشرين سنة، وقد كانت أفغانستان على الدوام مقبرة للإمبراطوريات الغازية، من الإسكندر الأكبر إلى الإمبراطورية البريطانية فالسوفيتية حتى الاحتلال الأمريكى، ولم تكن أفغانستان ولا “طالبان” هى أول من هزم الأمريكيين، ولا هم “المجاهدون” الذين حظوا وحدهم اختصاصا برعاية السماء، فهذه تفسيرات اعتباطية مزاجية، لا تفسر هزيمة الأمريكيين الأفدح على يد الثوار الشيوعيين (الملحدين) فى كوريا وفيتنام، وقد قتل ثوار فيتنام (الشيوعيون) 58 ألفا من القوات الأمريكية، بينما لم تقتل “طالبان” من الأمريكيين فى عشرين سنة سوى نحو ألفين ونصف الألف، ويزيد الرقم إلى سبعة آلاف تقريبا، إذا أضفنا قتلى دول حلف “الناتو” والمتعاقدين المتعاونين، هذا مع فارق ضراوة وثقل الاحتلال، وقد كان بمئات الآلاف من الجنود فى فيتنام ، بينما ظل يتناقص فى أفغانستان إلى بضعة آلاف لا غير، وفى كل الأحوال، كان هناك الخونة المحليون، وكان هناك المقاومون، فهذه سُنة الله فى خلقه المتدافعين أبدا، ولا يصح لأحد أن ينكر على حركة طالبان دورها شبه الوحيد فى مقاومة الاحتلال الأمريكى الأخير، وقد دفعت وحدها نحو 51 ألف شهيد، ومن منطلقات قبلية قومية دينية معا، ميزت التاريخ المحارب والجغرافيا الأفغانية المعقدة ، التى لا تسمح لاحتلال بدوام آمن ، ولا حتى لسلطة محلية مركزية باستقرار طويل ، فاكثر أراضى أفغانستان تضاريس جبلية شديدة الوعورة ، وسلسلة جبال “هندوكوش” تشق أراضى أفغانستان عرضيا بطول 1100 كيلومتر، وبارتفاعات تصل إلى نحو كيلومترين، وعلى صورة قوس ممتد من شمال شرق أفغانستان إلى جنوبها الغربى، وهو ما يجعل التجمعات السكانية فى جزر منعزلة منفصلة، إضافة للتعدد الهائل فى القبائل والأعراق، ففى أفغانستان أكثر من 14 عرقا وقومية لها 14 لغة، أكبرها عرقية (البشتون) متعددة القبائل، التى خرج منها أغلب حكام أفغانستان الحديثة إلى اليوم، من ملكية “ظاهر شاه” إلى حكومات الاحتلال الأمريكى وحتى قادة “طالبان”، ودائما ما كانت تدور حروب “البشتون” مع نصف أفغانستان الآخر فى الشمال وبعض الوسط ، وبالذات مع عرقيات “الطاجيك” و”الأوزبك” و”الهازارا” ، وكان المتحاربون جميعا يرفعون الرايات “الإسلامية” القبلية نفسها، ويقتلون بعضهم البعض وسط صخب نداءات “الله أكبر”، بينما الله جل جلاله ودينه الحنيف بريء مما فعلوا، ومما قد يفعلونه مجددا مع حكم “طالبان” الجديد، ومما قد يورثونه للشعب الأفغانى من مذلة وقهر وفقر وتخلف ومزارع أفيون، ومما قد يوردونه لعالمهم الإسلامى من جماعات قتل وإرهاب كافر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى