حوارات و تقارير

الطوب اللبن.. صناعة قديمة أسّست منازل الأجداد وفي طريقها إلى الاندثار

محمود حسن الشوربجي

 

البيوت الطينية المبنية من الطوب اللبن أو النيء، هي الجزء العتيق من مدينة العريش وقلب العاصمة الشمالية لشبه جزيرة سيناء، التي تقع فوق ربوة تطلّ على البحر وتمتدّ على نحو ثلاثة كيلومترات، من خط وادي العريش شرقا الممتد من شمال المدينة إلى جنوبها والممتدة غربا إلى قلب أحياء مدينة العريش القديمة، وهي الأحياء السكنية التي تقع حاليا حول قلعة العريش الأثرية، والتي كان يسكنها الحضر من العائلات الحضرية.

تُعد البيوت الطينية السيناوية القديمة من الآثار والتراث القديم الذي امتد إلى مئات السنوات، حتى أصبح الآن نادر الوجود في ظل التطور البنائي السريع الذي انتشر في ربوع المدينة، ولم يتبقَ من هذه الآثار إلا بيوت قليلة جدا، يكاد عدّها على الأصابع، وهي من تراث المدينة القديم.

 

انتشرت المنازل المبنية من الطوب اللبن في العريش قبل انتشار السيارات، في السنوات قبل عام 1800م، حيث كانت وسائل المواصلات وقتها إما الإبل أو البغال والحمير أو الخيل، وكانوا يستخدمون الإبل والخيل في السفر أكثر، والبغال والحمير داخل نطاق المدينة فقط، ولعل شكل المنازل التي سيتم سردها تفصيلا في السطور التالية تعيدنا إلى زمن الأجداد وما قبلهم في حقبة زمنية قد تكون بدائية مقارنة بالزمن الحالي، لكنها بلا شك كانت حياة هادئة وبسيطة ورائعة تسودها السكينة والقناعة والرضا.

إن اللافت للنظر، أن بيوت الطينة الموجودة حاليا في شوارع فرعية في أحياء العريش القديمة كلها كانت على نمط بنائي واحد وقاعدة إنشائية واحدة، مما يوحي بأن المدينة لم تكن يوما ما عشوائية البناء قديما، بل كانت أبنيتها على قواعد أساسية جعلت من البنائين المختصين يتوارثون طريقة البناء والرسم الهندسي جيلا بعد جيل، بالرغم من وجود منازل قليلة جدا غير كاملة من الطين في السنوات الماضية غرفة واحدة فقط وباقي المنزل مصنوع من سعف النخيل، لكن الغالبية العظمى كانت على بناء نمط واحد.

 

أحياء العريش العتيقة

كان الأمر شاقا للغاية في البحث والدراسة عن منازل طينية قديمة متبقية في أحياء العريش القديمة داخل كتلة سكنية مزدحمة بالطوابق الأسمنتية التي محت التراث القديم بلا رجعة، وقد استغرق البحث سنوات متتالية، وذلك لبُعد هذه المنازل عن بعضها وندرتها، وقد لاحظت أن أكثر الأحياء التي تقع فيها أطلال بيوت قديمة من الطوب اللبن هي أحياء تجاور قلعة العريش، حي الفواخرية والسمران وحي الصفا وحي الشوربجي والكشاف والسلايمة والأحياء الواقعة خلف ميدان الرفاعي، فضلا عن الكتلة السكنية الواقعة جانبي مجرى وادي العريش وأهمها حي أبو صقل، تلك البيوت القديمة التي كانت عامرة بأجدادنا لمئات السنوات، باتت في زوال الآن.

 

هذا ووفقا للمصادر القديمة فقد كان عصر بناء البيوت الطينية في أزهى صوره في عهد الدولة الخديوية وما قبلها، فقد أُنشئت هذه البيوت قبل مئات السنوات من سبعينيات القرن التاسع عشر، فقد حدد المؤرخ نعوم بك شقير عدد البيوت التي تتواجد في مدينة العريش في فترة تأليفه كتابه قبل سنة 1899م وكان عددها 600 بيت، واصفا المدينة وشكلها العام قائلا: شوارعها متسعة نظيفة، وبناؤها بالطوب النيء والطين، ولكن طوبها متين كالحجر، ولكل بيت من بيوتها فناء مسور بباب عظيم لإيواء الإبل والخيل والغنم، وأسوارها مرتفعة جدٍّا، حتى إنَّ راكب الهجين في شوارعها لا يرى ما في داخل أفنيتها، وللبلدة سوق صغيرة بجانب القلعة، فيها نحو 70 حانوتًا، تباع فيها الأقمشة، والحبوب، والزيت، والسمن، واللحم، والسكر، والصابون، والبُن، وأصناف الفاكهة والخضر.

 

تتفاوت مساحات البيوت الطينية القديمة في العريش ما بين 60 إلى 100 متر مربع على حسب مساحة الأرض، ويحيط البيت الواحد سور عالٍ ومرتفع يوضع أعلاه زجاج مفتت أو قطع مكسورة أو أسلاك شائكة كدروع حامية من تسلق اللصوص عليها، ويصل ارتفاع السور الخارجي إلى 7 أمتار، وهو أيضا مبني من الطوب اللبن، ووفقا لحديث الأجداد فإن الطوب اللبن مصنوع من خلال أداة بدائية من صندوق صغير يوضع فيه عجينة الطين المخلوطة بالرمل وبعض التبن وغيرها من المواد ويترك أكثر من 25 يوماً تحت أشعة الشمس، ثم يتم البناء به باستخدام خلطة البناء التي هي أيضا من الطين، ولعل أكثر الأماكن التي كانت يتواجد بها الطين هي منطقة بئر لحفن جنوب مدينة العريش والواقعة على مجرى وادي العريش.

قيل في القديم: كان الناس يأتون بالطين من منطقة “بئر لحفن” محملا على ظهور الإبل والحمير، ثم يُجمع في مكان واحد تتوفر جانبه بئر مياه أو مصدر للمياه، حيث يقوم العمال بتفتيت القطع بآلة “الفأس” إلى قطع صغيرة ثم يصبون عليها الماء لتصبح عجينا، وتترك لعدة أيام يتم خلالها إضافة بعض العناصر الأخرى مثل مخلفات سنابل الشعير أو القمح المعروفة بـ “التِبِن”، وكان الغرض من إضافة هذه العناصر هو تماسك الطوب اللبن وعدم تفككه.

 

صناعة الطوب اللبن

وهو قالب مصنوع من الخشب، على شكل صندوق، نصف متر في عرض ربع متر، ويؤخذ من خلطة الطين المعجون ويضاف إلى القالب ثم يترك لبعض من الوقت حتى يجف، ثم يفرغ على أرض رملية مستوية ونظيفة، وبعد يومين أو ثلاثة يتم تجميع قوالب الطوب بشكل رأسي في صفوف حتى يحافظ على تماسك القالب من الشروخ وفرصة أخرى لاستكمال جوانبه التي لم تتعرض للشمس من قبل.

وكانت الطريقة المتبعة للبنائين في ذلك الوقت هي إنشاء ما يسمى بالقواعد أو ما يسمى “الّْلِبْشَة” التي سيقام عليها البناء في ما بعد، بحيث يتم حفر السور المحدد للبناء بعمق ثلاثة أمتار في عرض يصل إلى متر أو أكثر، لأن سُمك الحائط وحده أكثر من نصف متر، وبعدها يتم وضع قوالب الطوب اللبن بشكل هندسي دقيق محدد من جانبه بخيط مستقيم حتى لا يحدث أي ميول أو انحدار للبناء، ويتم وضع الطوب باستخدام “المونة” وهي خلطة الطين الأبيض التي تحدثنا عنها آنفا، ويحدث التصاق بين القالب والآخر إلى أن يتم الانتهاء من بناء السور بالكامل بارتفاع نحو 7 أمتار، ومن ثم يتم إنشاء الغرف التي يصل أقل غرفة 20 مترا مربعا، وبعد وقت يتم إنشاء السقف من سعف النخيل وبعض الأخشاب المتينة من نوع خشب الزان مغطى بطبقة طينية في شكل منحدر للتخلص من مياه الأمطار بسرعة وقت الشتاء من خلال “مزاريب المياه”، ومفردها “مُزراب” وهي قطعة مستطيلة طولها نصف متر أو أكثر قليلا، من “الصفيح” المصنوع من الحديد، يسهل تطبيقها أو تصنيعها بأي شكل مطلوب، ويكون شكلها مربعا من الأمام، وضيق من الخلف من ناحية السطح، يتم وضعها وتثبيتها بالطين بشكل مائل حتى يتم تفريغ مياه الأمطار التي تتجمع أعلى السطح، ولا يتبقى منها شيء راكد، ولاحظت في البيوت المبنية قبل الخمسينات من القرن التاسع عشر، أنهم كانوا يضعون أعلى السطح طبقة من القير أو المادة السوداء المعروفة بـ “البلاك”، كما يصنعون مزرابا أيضا بجوار باب المنزل، وهو مصب للتخلص من مياه الأمطار التي تتجمع في “قاع الدار” ومنها إلى الشارع خارج المنزل وهذا يتم للبيوت التي لا يوجد بها زراعات كثيرة، فلا حاجة للمياه الكثيرة فيها، أما البيوت الواقعة بجوار مزرعة أو بها زراعات كثيرة يوجد داخل البيت السيناوي ما يسمى بـ (الحاووز) وهو يوضع فيه الماء الذي يتجمع من المطر ليتم تنقيته بعد ذلك واستخدامه للغسيل إذا فاضت وزادت كمية المياه، أو استخدامه في سُقي الزراعات المجاورة، وكلمة “حاووز” مأخوذة عن اللهجة التركية، ومصدرها من كلمة “الحوض” في اللغة العربية وكانوا ينطقونها (الحاوظ) أو (الحاوز) ويكتبونها (الحاۋز) حيث يضعون ثلاث نقاط على حرف الواو، وأخذ سكان سيناء هذه الكلمة أو المصطلح عن التركية في عهد العثمانيين فصارت (الحاووز). ومن الممكن أن يكون مشتقاً من العربية من فعل “حاز” أي “مَلَك” أو “ضَمَّ” وعلى هذا يكون “حاووز الماء” هو المكان الذي يجمع ويحوز الماء أو مكان حيازة الماء.

 

لوحظ أثناء الاطلاع على بعض البيوت القديمة أن النوافذ المطلة على الشارع تكون في الأعلى حتى لا تُنتهك حرمات البيوت بالنظر، أما النوافذ داخل البيوت تكون على ارتفاع متر ونصف أو أكثر قليلا، كما أنه أثناء عملية البناء يترك فراغ بين القوالب، قيل إن هذه الفراغات بين القوالب أثناء البناء تجعل من الغرف معتدلة الحرارة بين الفصول، بحيث تكتسب الحرارة التي تم امتصاصها في زمن الشتاء لتكون دافئة طوال الشتاء، وكذلك في زمن الصيف تمتص الحرارة لتكون لطيفة أو معتدلة في الصيف، كما لاحظت أن غالبية البيوت التي تم بناؤها واجهتها ناحية البحر شمالا، والتي كانوا يطلقون عليها “غرب”، لتكتسب المنازل لطف الهواء البارد المشبع باليود القادم من ناحية البحر.

 

وفي جوار البيت السيناوي “الحوش” وهو مكان تربية الإبل والأغنام وغيرها، بعض الناس يخصصون جزءا منه لعمل “فرن” من الطين للخبز البلدي، وهو فُرن لطهي الخبز البلدي مكون من طبقتين الطبقة الأرضية منه مخصصة لتزويده بالحطب أو النار، والعليا منه لوضع العجين أو الخبز النيء وهي مصنوعة من صاج حديدي من الصلب يُطلقون عليها “عَرصة”، يتم مسحها بالزيت قبل استخدامها.

 

أما “قاع الدار” هو المكان المتسع للجلوس والحركة والزراعات القليلة الموسمية وهو أمام “الدرابزين” ويتم بناؤه مضافا إليه رملة وزوفزف البحر، وفي ركن بعيد في البيت يتم إنشاء غرفة لتخزين المؤن والأدوات وهي معروفة بـ “البايكة” يتم وضع فيها الأشياء التي لا تستخدم بشكل يومي.

ولاحظت أثناء التنقيب في بقايا أطلال منازل العريش القديمة أن الأبواب عالية ومرتفعة قد يصل الباب إلى أكثر من ثلاثة أمتار وكذلك الباب الخارجي نفس الارتفاع وعرضه نحو ثلاثة أمتار، ويطلقون عليه “باب الشارع”، كما يوجد باب صغير لدخول الناس منه مدمج في الباب الكبير، أما الباب الكبير فهو للإبل والخيل وغيرها.

يتم إنشاء المطبخ بعيدا عن غرفة النوم والضيوف والصالة، والمطبخ دائما تكون مساحته كبيرة، والأدوات التراثية داخل المطبخ والمنزل كثيرة، سنذكرها تفصيلا فيما بعد، والحمام ودورة المياه غرفتان منفصلتان بجانب بعضهما، ومن أهم أدوات المطبخ “الطاحونة”، التي يُطحن فيها القمح، لصنع الدقيق، ثم أي شيء آخر يمكنهم التعايش مع ظروفه.

 

وعلى الرغم من تطور البناء في السبعينيات تم عمل طبقة أسمنتية فوق الطينة لحمايتها من عوامل البيئة والحفاظ عليها مدة أطول وهي بالمفهوم العادي “محارة أسمنتية”، كما تطور الأمر بعدها ببناء بيوت بالطوب الأسمنتي البلدي بالصبة البلدي على نفس الشكل الهندسي للبيت الطينة، ثم تطور بعد ذلك.

 

«ذاكرة بيوت الطينة» 

ورغم حداثة المعمار والبناء، أصبح بيت الطينة أو البيت العرايشي ذكرى لكبار السن والشباب، فقد عاشوا فيه طفولتهم وريعان شبابهم، يتذكرون الهدوء والبساطة والقناعة والرضا وراحة البال، السلام النفسي، فكل البيوت السيناوية سواسية لا تعرف غنيها من فقيرها.

 

وعلى الرغم من العناء والجهد الذي كانت تبذله النساء من نظافة البيت وقاع الدار والحوش بشكل يومي، حيث يقمن بتنظيفه بقنو النخيل ثم تنقيته بالغربال، فضلا عن إحضار الطعام لثلاث وجبات لكافة الأسرة، وغسيل الأواني، وغسيل الملابس بالصابون يدويا، وأشياء كثيرة، إلا أنهن كُن سعيدات بهذه البيوت القديمة.

 

إن فن المعمار قد يؤرخ لوعي الشعوب، ويكرس مفاهيم التعامل مع البيئة، وظروف عناصر الطبيعة، ومن هنا كانت بيوت الطين السيناوية التي ميزت أهل العريش عن باقي مدن سيناء، هي دلالة على صعوبة الحياة في هذه الصحراء التي لا تنتج إلا فصلين في السنة، إما برد قارس يغذيه هبوب الشمال، وإما حر لافح قاتل تهرب منه حتى الأفاعي، وقد فكّر العقل المتعامل مع هذه الصحراء كبيئة صعبة وقاسية في إيجاد سكن يتواءم مع هذه المناخات، فوجد أن بيئته غنية بما يوفر له السكن المريح، وقام بتشييد بيته وبيت أسرته من الطين واستفاد من شجر البيئة ليوفر الراحة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى